الجذور العربية لشعراء التروبادور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجذور العربية لشعراء التروبادور

مُساهمة  هيا ترمانيني في الخميس مارس 25, 2010 11:59 am

تشير دراسات علماء الأدب المقارن أن هناك تأثير رئيسي وافد من الشعر العربي على حركة شعراء التروبادور التي ظهرت في أوروبا خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر. وأول من طرح هذا الفرض هو العالم ’ج. م. باربير‘ في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وأدلة صحته تزاد يوماً بعد يوم.

يتهم العلماء الأوروبيون على نحو خاص بهذه المقولة لأنها تمثل لديهم نقطة ذات أهمية بالغة في تاريخ نشأة الأدب والفكر الأوروبي الحديث ، ذلك أن حركة شعراء التروبادور لا تقتصر أهميتها على كونها حركة شعرية شديدة الشيوع خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر في إنجلترا وأسبانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ، وإنما هي كذلك مظهر من أهم مظاهر التفكير في العصور الوسطى ، حيث كان قلة من القساوسة هم الذين يحملون وحدهم أقلاماً تبث للناس فكرة من هنا أو من هناك. كان شعراء التروبادور في ذلك العصر ، عصر ما قبل فلاسفة النهضة ومفكريها وكتابها ، يحملون للقارئ والمستمع الأوروبي فكرة جديدة سامية عن الحب والمرأة. لكن من يزيد من قيمة وأهمية هذه الحركة لدى المفكرين الأوروبيين أنها كتبت ودونت باللغات الأوروبية الدارجة ، ومن المعلوم أن اللاتينية كانت هي اللغة التي يكتب بها ، باعتبارها أنها لغة شبه دينية. وما دام تداول اللاتينية محدوداً في الأوساط الكنيسية والأوساط القريبة منها ، فقد كان انتشار القراءة بدوره محدوداً ، ولكن منذ استطاع الأوروبيون تحطيم هذا الحاجز والكتابة باللغات الحية الدارجة آنذاك والتي سادت إلى اليوم ’الفرنسية والإنجليزية والألمانية ...‘ منذ ذلك الحين اتسعت قاعدة من يقرؤون ومن يكتبون وبالتالي زاد جمهور المثقفين والمفكرين ، وعُدت هذه الظاهرة إحدى أهم الظواهر التي حملت النهضة إلى أوروبا. وفي هذا المجال تأتي أهمية شعر التروبادور باعتباره أول إنتاج أدبي يدون باللغات الأوروبية الحديثة.

وكلمة ’التروبادور‘ قادمة – في رأي بعض الباحثين – من الكلمة العربية (طرب) التي كان يشيع استعمالها بمعنى الغناء في الأندلس ، ثم أضيف للكلمة اللازمة اللاتينية التي تشكل أسم الفاعل ، فأصبحت الكلمة تعني ( المغني) ، ويؤيد هذا التفسير أن بعض من شعراء التروبادور كان يغني على يد الشعراء الجوالين الذي يطلق عليهم اسم ( التروفير) أو ( الجونجلير) وهؤلاء كانوا يقومون بدور النديم والسمير في قصور الأغنياء ، ويدور المغني الجوال في شوارع المدن بثا ً للمتعة وبحثا ً عن العطاء.

ويتفق شعراء التروبادور في طبيعة شعرهم في أنهم جميعاً يغنون لونا ً واحدا ً من الحب وهو الذي ينشد إرضاء المرأة على نحو خاص ، وهو مليء بإجلالها وتقديرها ويخضع الفارس القوي أمام محبوبته خضوعاً لا ينتقص من فروسيته بقدر ما يكملها. وهم جميعاً ينشدون لوناً من المتعة ينبعث من الحرمان أكثر مما ينبعث من الاتصال ، ويظل المحبوب رغم الحرمان وفياً. وهذا اللون من الحب والمتعة لم يكن معروفاً من قبل في تقاليد الفكر اللاتيني وإنما كان شائعاً في تقاليد الفكر العربي.

كانت فكرة ( الحب العذري) قد نضجت على نحو قوي بعد ظهور الإسلام ، وظهرت في الجزيرة العربية نماذج لشعراء وقعوا في هوى محبوباتهم وفاض لسانهم بالحب شعراً ، فأصبحت المحبوبة – على عادة العرب الأقدمين - محرمة عليهم ، فما كان يسمح بزواج المرأة مما قال فيها شعراً. لكن هؤلاء الشعراء ظلوا رغم الحرمان أوفياء ، وبقوا على ولائهم دون أمل حتى ماتوا ، وكان من أقوى هذه النماذج وأشهرها ، قيس أبن الملوح ( مجنون ليلى ) وجميل بثينة ، وغير ممن أزدهر تاريخ الأدب الأموي بهم على نحو خاص. وقد أسهمت الفلسفة الإسلامية بمعناها العام في تأصيل الفكرة وتعميقها ، وجاء أبن أبي داود الظاهري – الفقيه الكبير – وعلم مذهب الظاهرية البارز ، جاء هذا الفقيه في القرن التاسع الميلادي – قبل نحو ثلاثة قرون من ظهور شعراء التروبادور- ليكتب أول كتاب عن فن الحب تحت عنوان ( الزهرة).

وأبحر هذا التفكير مع العرب إلى أوروبا ، حين أقاموا دولتهم التي قدر لها أن تترك أثراً واضحاً على التفكير الأوروربي عامة ، وعلى تفكير الشعوب اللاتينية خاصة ، ذلك التأثير الذي يقول عنه ( هنري مارو ) ’إن التأثير العربي على حضارة الشعوب الرومانية لم يقف فقط عند حد الفنون الجميلة التي كان التأثر فيها واضحاً وإنما امتد كذلك إلى الموسيقى والشعر‘.

وكان أبن حزم الأندلسي قد كتب في القرن الحادي عشر كتاباً عبر فيها عن فلسفة الحب ، إنه كتابه الشهير ( طوق الحمامة ) ، وجسد عبر هذا الكتاب – الذي لم يكن ظاهرة فردية – فكرة الحب والفروسية التي كانت شائعة لدى المسلمين في أسبانيا منذ عهد عبد الرحمن الثاني ( 912-961) وربما منذ عهد الفتح الإسلامي للبلاد كلها.

لقد كان وجود الوسط الثقافي العربي اللاتيني المختلط في هذه الفترة حقيقة تاريخية ، لذا كان عبور الفكرة من جانب إلى جانب عن طريق هذا الوسط واردة بشدة ، خاصة إذا تشابهت الظواهر الفنية الناتجة في الجانبين.

كل هذه الملامح التي تشترك فيها قصائد التروبادور مع الشكل الموسيقي للموشحة الأندلسية ولقصيدة الزجل التي كانت شائعة في العصر الأندلسي ، والتي كان يدخل في بنائها الأساسي امتزاج اللغتين العربية والأسبانية المحلية التي كانت تسمى بالرومانثية ، هذا الاشتراك وهذا التشابه يضيف بعداً جديدا ً ويعطي دليلاً يدعم أدلة التشابه الأخرى في مضمون مفهوم الحب بين قصائد التروبادور وقصائد الحب العذري في الأدب العربي. وهي جميعها حقائق تساند معطيات الالتقاء التاريخي والفكري والثقافي لفرضية الأصل العربي لحركة شعراء التروبادور في أوروبا.
avatar
هيا ترمانيني

المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 07/03/2010
العمر : 23

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى