أنواع الغزل عبر العصور الجزء الأول

اذهب الى الأسفل

أنواع الغزل عبر العصور الجزء الأول

مُساهمة  هيا ترمانيني في الأحد أبريل 04, 2010 5:06 am

تجمع مجمعات اللغة علي أن أصل مصطلح الغزل من «الغزل» الذى هو مصدر غزل. فقد جاء فى لسان العرب، والقاموس المحيط، غزلتِ المرأة- ألقطن اوألصوف. ادارتهما بالمغزل. فالغزل استعمال مجازى مأخوذ من هذه المادة اللغويـة- أى ألغزل- فكلما تدير الغازلة مغزلها لتغزل به القطن ونحو، كذلك يدير الشاعر مغزل فنه لاستماله المرأة واستهوائها.

غزل بالمرأة- يغزل من باب فرح- حادثها وأفاض بذكرها. وأغزلت الظبية- صار لها غزال. فالغزل ولد الظبية.

هذه ثلاثة معان لكلمة غزل ويوجد ارتباط وثيق بين «غزل الصوف» و«مغازلة المرأه» و«غزل الظبية».

قال الزجاجى- اصل المغازلة: الادارة والفتل. لادارته عن امر. ومنه سمى الغزل لاستدارته وسرعة دورانه. به سمي الغزل لسرعة عدوه، وسميت الشمس الغزالة لاستدارتها وسرعتها.

«الغزل هواللهومع النساء ومحادثهن ومراودتهن» وفالمغازلة اذاً ضرب من الغزل كما اثبت ابن منظور في «اللسان» أوكما قال ابن دريد في التغازل بأنه محادثة الفتيان فى الهوي.

فالغزل لا يعدوان يكون حديثاً فى الهوي، وليس مقصوراً علي ما يقوله الرجل فى حديث هواه الي المرأة، فهوايضا وسيلة المرأة الشاعر والنساء الشواعر، اذا اردن التودد الي الرجل والترجمة عن مشاعرهن في مثل هذا الضرب من الاحاديث.

وقد غني الغزل بألفاظ كثيرة توافق هذه المعاني الجمة التي عرض لها الشعراء وتوافق هذه العاطفة الثائرة، وما يتصل بها من لوعة وحرقة وأنين.

ومن هذه ألألفاظ:

النسيب، التشبيب، العشق، الحب، الهوي، الصبابة، الهيام، الشغف، العلاقة، اللوعة، الوجد، التيم، التبل، التدليه.

واذا شئناً أن نكشف معانى هذه الألفاظ، ونعرف مدلولاتها، فأنها لاتخرج هي وسائر ألفاظ الغزل عن معان ثلاثة:
1- ألتحدث إلي المرأة، والتودد اليها.
2- العلاقة التى يتركها هذا الحديث، ومدي هذه العلاقة من قوة اوضعف.
3- آثار العلاقة، وتعدد نواحي هذه الآثار.

واذا كان علماء اللغة يقولون ان هناك مناسبة بين أللفظ وألمعني ,فإنا نري المناسبة بين ألفاظ الغزل ومعانيه أثر وضوحاً وبياناً.

ويحسن بي فى هذا المقام ان اوجه النظر الي الملاحظات الآتية:

1- لاصعوبة ولاتنافر فى هذه الألفاظ، ولا فى الحروف التى تتألف منها.

2- ليس فى ألفاظ الغزل حرف ثقيل بالتضعيف، أى التشديد، واذا وجدته فى مثل متيم، مدلّه، فإن الياء حرف لين، تضعيفها لايزيدها ثقلاً بل ليناً. وفإن تضعيف اللام لاثقل فيه ولاشدة.

3- حروف اللين ثلاثة: ألألف، والواوالياء، وتسمية هذه الحروف باللين صادقة ولعلك تري أن هذه الحروف تكثر فى ألفاظ الغزل.

4- فى بعض الفاظ الغزل اوكثير منها مد قصيرأوطويل. ومن ذلك مثلاً: الهوي، الغرام، ولعله بأن لك من هذه الملاحظة أن الفاظ الغزل سهلة لينة تناسب معانى الغزل من رقة وعذوبة. فالمحبوب حين يتحدث الي حبيبته نفسه لا تراه الا عذب الحديث، وحين يودعها لاتراه الا هزيلاً يرسل نفثات حبه وهومعذب معني، بل حين تهجره وتجفوه لاتراه الا ضارعاً متوسلاً خاضعاً متذللاً. لعلها ترضى بعد امتناع، وتبسم بعد عبوس.

ان سهولة ألفاظ ألغزل وسهولة حروف هذه ألالفاظ لاتناسب معانى الغزل من حيث الرقه والعذوبة فحسب، ولكنها توافق طبيعة العربى وحبه للغزل.

قال ابن دريد: واعلم إن اكثر الحروف استعمالاً عند العرب، الواو، الياء، الهمزة. واقل ما يستعملونه علي ألسنتهم لثقلها الظاء ثم الذال ثم الثاء ثم الشين ثم القاف ثم الحاء ثم العين ثم النون ثم اللام ثم الراء، ثم الباء، ثم الميم.

ولعلك تري ان حروف ألفاظ الغزل التي ذكرتها هي من هذه الحروف كثيرة الاستعمال علي رأي ابن دريد.

ويظهر ان هذه السهولة تخطت الفاظ الغزل الي اسماء نساء الغزل، فتري امثال دعد، هند، ليلي، لبني، سلمي، عزة وبثينة. وهي اسماء سهلة عذبة فى النطق حلوة فى اللسان

الغزل والتغزل النسيب والتشبيب والفروق بينهما:

اذا رجعنا الى امهات كتب اللغة وجدنا ان الغزل والنسيب والتشبيب كلمات مترادفات:فان سيدة يقول:ان الغزل تحديث الفتيات الجواري، والتغزل:تكلف ذلك. والنسيب:التغزل بهن في الشعر، والتشبيب مثله.

وابن منظور يقول:ان الغزل حديث الفتيان والفتيات واللهومع النساء. ومغازلتهن:محادثتهن ومراودتهن. والتغزل:التكلف ذلك. ونسب بالنساء ينسب نسبا ونسيبا ومنسبة:شبب بهن في الشعر وتغزل. وشبب بالمرأة قال فيها الغزل والنسيب. وهويشبب بها أي ينسب بها. ويقول الزبيدي مثل ذالك.

ألغزل والنسيب، ليست هاتان الكلمتان مترادفتين بالمعني الأخص كما جري فى عرف الناس، ولكن بينهما فرقاً نبه عليه قدامة فقاله: إن النسيب ذكر خلق النساء واخلاقهن وتصرف أحوال الهوي به معهن، وقد يذهب[عن] قوم موضع الفرق بين النسيب والغزل، والفرق بينهما ان الغزل هوالمعني الذى اعتقده الانسان .

والتشبيب عبارة عن وصف حال المعشوق وحال الشاعر فى عشقه ويسمونه ايضاً بالنسيب أوالغزل، ولكن المشهور بين الناس ان كل صفة اوحال يشرحونها فى بداية القصائد باستثناء مدح الممدوح تعتبر تشبيباً.

لانكاد نجد- فرقاً فى الاستعمال اللغوى بين كلمات الغزل، والتشبيب، والنسيب، فاللغويون يعرفون إحدي هذه الكلمات بالاخري، ففى لسان العرب: تشبب بالمرأة: قال فيها الغزل والنسيب، ونسب بالنساء: شبب بهن فى الشعر، وتغزل، والغزل: حديث الفتيان والفتيات، وفى القاموس الميحط، التشبيب: النسيب بالنساء، ونسب بالمرأة: شبب بها فى الشعر، ومغازله النساء: محادثتهن، والاسم الغزل، وفى المخصص لإبن سيده التشبيب: التغزل بالنساء فى الشعر، والتشبيب مثله، والغزل تحديث الفتيان الجوارى.

ووردت هذه الكلمات علي ألسنة الشعراء بمعني واحد ايضاً: قال اياس بن سهم الهندلى.

نسبناً بليلي، فانبعثت تعيبها أضل من الحجام اوساق مغزل. . .

وقال عمر بن ابي ربيعه:

فبتلك أهذي ما حييت صبابة وبهـا الحيـاة أشبب الأشعـار. . .

وهذا ابن سلام يستعمل(التشبيب) مكان(الغزل)؛ اذ يقول فى معرض حديثه عن عبدالله ابن قيس الرقيات: «وكان غزلاً، واغزل من شعره شعر عمر بن ابي ربيعه، وكان عمر يصرح بالغزل، ولا يهجو، ولايمدح، وكان عبيدالله يشبب ولايصرح». كما يستخدم (النسيب) مكان(التشبيت) اذيقول: كان لكثيّر في التشبيب؛ نصيب وافر، وجميل مقدم عليه وعلي اصحاب النسيب جميعاً في النسيب.

الصبوة الي النساء والنسيب بهن من اجله، فكان النسيب ذكر الغزل، والغزل المعني نفسه.

ويرى ابن رشيق ان الغزل والنسيب والتشبيب كلها بمعنى واحد وان الغزل الف النساءوالتخلق بما يوافقهن، وقد اقتفى اثر قدامة في ان الغزل غير التغزل. الا ان الدكتور الحوفي لا يميل الى التفرقة بين الغزل والتغزل، لان التغزل ليس تكلف الغزل كما يتبادر، ذالك ان التاء هنا كالتاء في مصادر اخرى مثل التقدم والترقي والتعلم. وقد حاول بعض القدماء ان يفرقوا بين هذه الكلمات. ومن هؤلاء التبريزي الذي يرى"ان النسيب ذكر الشاعر المرأة بالحسن والاخبار عن تصرف هواها به، وليس هوالغزل. وانما الغزل الاشتهار بالمودات النساء والصبوة اليهن والنسيب ذكر ذالك".

اما في العصر الحاضر فقد حاول المرحوم محمد هاشم عطية ان يصنع شيئا يشبه ان يكون تحديدا لهذه الكلمات فقال:"ويترجح عندنا ان الغزل هوالاشتهار بمودات النساء وتتبعهن والحديث اليهن والبعث بذلك في الكلام وان لم يتعلق القائل منهن يهوى اوصبابة واما التشبيب فهوما يقصد اله الشاعر من ذكر المرأة في مطالع الكلام وما يضاف الى ذلك من ذكر الرسوم ومساءلة الاطلال، توخياََ لتعليق القلوب وتعقيد الاسماع قبل لمفاجأة" ويتفق معه الاستاذ السباعب بيومي في ان التشبيب هوالغزل التمهيدي. ويختلف معه في غير ذلك. فوصف جمال المرأة ومحاسنها وجاذبيتها نسيب عند الاستاض هاشم وغزل عند الاستاذ السباعي

قول طه حسين: برأيى إن إختلاف التشبيب والغزل يرجع الي هذا الامر: كان الشعراء فى العصر الجاهلي يعنون بالغزل كما يعنون بغيره من الفنون، وربما اتخذوه وسيلة فى اكثر الأحيان لاغاية. اما اصحابنا [الغزليون] هؤلاء فقد اتخذوا الغزل غاية لاوسيلة. ولم نعرف انهم مدحوا اوعنوا بفن آخر من فنون الشعر الا ما كان يضطرهم اليه الغزل.

اما مقطعات الشعر الجاهلى المختصة بالنسيب المنقولة الينا من كتب الأدب واللغة فقليلة جداً وهي كما قلته, امن باب التشبيب لا من باب التغزل، فلهذا الامر علي رأئي سببان:

الاول: إن التعبير عما في القلب من الهوي والعشق والشوق يستدعى كلاماً ليناً سهل المأخذ بعيداً عن الألفاظ الغريبة وقريب المعانى.

والسبب الثانى: وهوالاخطر إن الشعر فى النسيب المحض كان علي ظني عند العرب الجاهلية نوعاً عامياً تعاطاه ايضاً رعاع الناس فأهانه نوابغ الشعراء وأهملوه وامتنعوا عن قوله قانعين بوضع ابيات النسيب فى اول قصائدهم.

ولعل سبباً ثالثاً ايضاً عمل في كراهة الشعراء المجيدين المفلقين للغزل وهوعلومنزلة النظم فى حياة العرب الإجتماعية لأن غاية الشعر الجاهلي انما كان عندهم تعظيم الأ كابروتخليد ذكر مآثر القبائل والإفتخار بالحماسة أوالمكرمات وهجاء الأعداء فلذلك لم يكن التشبيب المحض مماعد من مقاصد الشعرالسامية.

اما فى خلافة على بن ابى طالب وما يتبعهما من الزمان فنجد بمكة والمدينة نوعاً جديداً من الشعر أخذ يزهوبهما بغتة بل يغلب علي سائر الأنواع, فكادت أجيد الشعراء فى مدن الحجاز لايتعاطون غيره خلافاً لعرفهم فيما قلل, وهذا النوع الجديد هوالغزل ولعل اول من اشتهر به ابودهبل الجمحى من أشراف الناس بمكة: وقال الشعر فى آخر خلافة على ومدح معاويه وعبدالله بن الزبير وغيرهما من الأكابر. وما صاغه ابودهبل من الشعر فيها رقيق ظريف بعيد عن اسلوب نسيب اهل البادية المعروف.

التعريف بجنس الغزل:

وإنطلاقاً من الإصطلاح اللغوي المتقدم، تعبير الغزل من الناحية الادبية: فناً من فنون القصيدة الغنائية للتعبير عن الحب واحاسيس المحبين وانفعالاتهم وما تعكسه تلك الإنفعالات فى النفس من ألوان الشعور.

وهكذا يكون الغزل، اذا نبغ من تجربة الشاعر الصادقة احد الوان الشعر الغنائى عند العرب وأقربها الي النزعة الوجدانية فيه، يستمد الشاعر معانيه بما فيها من عطاء الشعور واثر الحس والخيال من علاقته بالمرأة ونظرته اليها، ومنزلتها في واقعه ووجوده، ما يترتب عن ذلك من ميل اوحب، علي تباين فى صوره تبعاً للعوامل المؤثرة في امزجة الشعراء وعوامل البئية والعصر.

لماذا ازدهر هذا الجنس في الحجاز؟

1- وإن سألتموني عن سبب هذا التقلب الشديد فى أساليب الشعر فى المدن الحجازية قلت: لايخفى علي احد ان اكثر رجال السياسة والحرب قد تركوا جزيرة العرب فى اواخر خلافة على إبن ابيطالب فبقيت بالمدينة اهل التقي والعبادة والنسك من الأنصار والمهاجرين, كان فى الشام والدين بمدنية النبى وقد كثرت فى ذلك العصر ثروة الحرمين ولاسيما مكة لاتساع العلائق والمعارف التجارية ولزيادة الوافدين عليهما تأدية لفريضة الحج. فبزيادة الثروة والنعمة واتساع العيش زاد ايضا ما تنزع النفوس اليه من الشهوات والملاذ والتنعم بانواع الترف. وفسدت اخلاق الشبان من البيوتات الكبيرة الذين لم يكن لهم بالحجاز مجال واسع بامور السياسة والحرب ولابالعلوم العقلية التي لم تزل مجهولة عندالعرب فى ذلك الزمان فاشتد ميلهم الى التظرف والتغزل وسماع الغناء وحضور الملاهى. وجلبت الي مكة والمدينة القينات والمغنيات بالرومى اوبالفارسى. ثم اخذت الموالى يغنون بالعربى. وربما كان فتيان مكة من الأغنياء والظرفاء يرتحلون الي المدينة لالتقاء ظرفائها وظرائفها.

فان كان الامر كذلك لاعجب فى ابتداء نوع جديد من الشعر لم يسبق اليه فحول الجاهلية ولا اهل البادية ثم لاعجب ان اكثر شعراء المدن الحجازية لم يتجاوزوا الغزل الي المديح ولا الهجاء وتركوا اسلوب القصيدة القديمة. ثم شاع حب التشبيب فى البلاد البعيدة عن الحجاز وغلب فى شعر بعض من اراد حفظ الاساليب القديمة والتكسب بالمديح.

يري شوقي ضيف "ان شيوع الغزل في المدينتين الكبيرتين بالحجاز يرجع الي عوامل نفيسة، كما يرجع الي عوامل اجتماعية، فاما النفسية؛ فترجع فى جملتها الي شعور الفرد فى المدينتين بنفسه اكثر مما كان يشعر بها فى الجاهلية، فقد كان قديماً يفني فى قبيلته ويذوب فيها، ولا يحس لنفسه بوجود الا من ظلالها، وهوذلك يتغني بمفاخرها ويهجوخصومها ويمدح ساداتها؛ اما فى العصر الحديث فقد شعر شباب المدينتين، انهم ورثة كسري وقيصر. وقد صبت فى حجورهم خزائن الارض، وشعروا كأن الدنيا تدين لهم، فتولد فيهم شعور عميق بأنفسهم. ولذلك فقد تحول الشعر من بعض الوجوه الي الحديث عن النفس لا عن القبيلة، كما تحول الغزل من بعض الوجوه الي التغزل باللذات بدل التغزل بالمحبوبات"

2- تأثر الغنا العربى بالغناء الفارسى والرومى، وانتشرت مجالسه وكثر رواده وكان من اثر شيوع الغناء في هذه البئية الحضارية المترفة والوارعة ازدهار الشعر الذى يعبر عن مشاعر حب حقيقية تولدت فى هذه البيئة المتحررة، إلي حد ما من قيود الإختلاط بين الجنسين، ولم يكن غزلاً تقليدياً يأتي فى مقدمات القصائد مثلما كان الشعر الجاهلي اوالشعر التقليدى؛: فلم يكن عسيراً علي الشباب من الجنسين الغناء بوسيلة أوباخري فى هذا المجتمع الحضارى الذى صرف علي متعته قدراً كبيرا من وقته ونشاطه, والذى خفف شيوع الغناء ومجالسه من جهامه الحياة فيه، بل ربما اشاع قدراً كبيراً من اللين والرفق فى عادات الناس وأخلاقهم، حتي قيل من طويس إنه اول عن غني بالعربية فى المدينة واول من القي الخنيث بها.

وكان من الطبيعى أن يغري المغنون الشعراء بتقديم اشعار تصلح للغناء من حيث ايقاعها والفاظها ومعناها ولم تكن هذه المواقف بطبيعتها بحاجة الي قصائد مطولة، بل الي مقطعات قصيرة محدودة تشيع فيها دقة اللفظ وبساطته، وجمال الايقاع الذى يريح صوت المغنى عند انشاده وكل هذه اللمسات الحضارية التى أصابت شعر الحب، كانت تشير الي اقترانه بالحس الشعبى المتحضر الذى يعزف عن النماذج الجاهلية البدوية واشعار الاسلاميين الذين قلدوا واتبعوا موضوعاتها ونهجها.

شهدت بوادى نجد والحجاز فى العصر الاموي تطوراً واضحاً فيما كانت تخوض فيه من فنون الشعر التقليديه ويسبب الهجره النشطة للقبائل، ووجود علاقات قوية مستمرة بالمراكز الحضارية واشاعة ولادة بني اميه الامن والنظام فى هذه البوادى حتي لاتكون مقراً للخارجين علي الدولة. كل ذلك دفع شعراءها الي الابتعاد عن الموضوعات التقليدية كالحماسة والفخر والهجاء لانقطاع الاسباب الداعية اليها، واتصلوا بالمديح حين كانوا يفدون علي الخلفاء والامراء فى الحواضر لتكسب، ولكنهم فى بواديهم فرغوا لانفسهم يعبرون عن هواهم تعبيراً حقيقياً، بعيداً عن التكلف والاصطناع، وينمون ما احسه بعض اسلافهم الجاهليين من مشاعر العشق التى ذاعت بعض قصصها، وربما ما كان ترامي الي اسماع اهل البادية من شعر الغزل الحضرى في مكة والمدينة حاضراً لهم للتعبير عن عواطفهم الصادق.

لكنهم التزموا في هذا التعبير كل المعاني السامية النبيلة التي تجعل من عاطفة الحب علاقة مقدسة سمتها الطهر والنقاء.

وفي الختام جدير بالذكر: إن الوجوه التى دعت الى قيام الغزل، هى التى دعت الي قيام الغناء والموسيقي، وان الظروف التى ساعدت علي نموالاول هى التى ساعدت علي نموالثاني. وان الارتباط بينهما وثيق بقدر الارتباط بين الوعاء وما يحويه، والغزل أشبه موضوعات الشعر بالغناء. ومطلب النفوس من هذا مطلبها من ذاك، ومن هنا كان التجاوب بين حالتيهما، فمن آثار الموسيقي في الحجاز توجيها موضوع الشعر الي الغزل.

فالحجازيون كانوا يتعصبون للغناء تعصبهم للرأي. والعراقيون كانوا يكرهون الغناء كراهة تزمت وضيق الافق، وانحصار تفكير.

ما هي العوامل التي ادت الي نشأة الغزل الا باحي في الحواظر والغزل العذري في البوادي؟

وقد ذهب الغزل فى الحجاز مذهبين رئيسين اطلق عليهما اسما الغزل العذري اوالبدوى اوالعفيف وهوحب عذرى ام طاهى وهذا الحب هوثمرة الاسلام الذى زرع العفة فى نفس المؤمن، هذا اوذاك من الشعراء كان يحب بحسه، بل بعقله بل بقلبه، بل بروحه فقط، ولا نجد شاعراً اومؤمناً واحداً كان يحب بهذه جميعاً.

الغزل الحضرى اوالماجن اوغزل اباحي، صريح اومحقق اوحس عابث اوجنسى اومطلق مفحش؛وحب عمرى وغزل عمرى. وهذا الحب والغزل هوردة جاهلية وخروج علي الاسلام.

وهذا الغزل الحضري فهوالذي يصدر عن تعلق الشاعر بأمره تستهويه فيتودد اليها ويتغني بمحاسنها وقديصور حرقته وألمه وشوقه وعنف حبه ولكن هذا الحب يفتقر في العفة والاخلاص، فهذا الحب قد تتبدل عواطفه فلايستقر علي حبه بل سرعان ما يمضي عنه الي حب جديد.

إن هذين القسمين من الغزل كانا متقاربين لامتجاوزين، اريد ان العذريين والاباحيين كانوا جميعاً فى الحجاز ومايليه، ولكنهم لم يكونوا يعيشون في بيئة واحدة، وانما كان فريق منهم يتحضر، وفريق منهم يبدو، فإما المحققون اوالإباحيون، فكانوا يتحضرون، يعيشون في مكة والمدينة، واما العذريون فكانوا يبدون في بادية الحجاز اونجد. وفى الحق ان عمر بن ابي ربيعة كان مكياً قضي حياته كلها في مكة، وان الأحوص بن محمد كان مدنياً قضي حياته فى المدينة، وفى الحق ايضاً ان جميلاً كان بدوياً فى وادى القري وان قيس بن دريج كان بدوياً يعيش فى بادية المدينة، وان المجنون- ان صحت اخباره- كان نجدياً يعيش فى بادية نجد، وان هذا الغزل بقسميه قد نشأ فى جزيرة العرب خاصة فأما عفيفه كان في البادية، واما القسم الاخر فكان فى الحاضر.

كان اهل مكة والمدينة يائيسين، ولكنهم كانوا اغنياء فلهوا كما يلهوكل يائس وكان اهل البادية الحجازية يائيسين، ولكنهم كانوا فقراء لم يتح لهم اللهو، وقد حيل بينهم وبين حياتهم الجاهلية، وقد تأثروا بالاسلام، وبالقران خاصة، فنشأ فى نفوسهم شيء من التقوي ليس بالحضرى الخالص، وليس بالبدوى الخالص، ولكن فيه سداجة بدوية، وفيه رقة الاسلامية، وانصرف هؤلاء الناس عن حروبهم واسباب لهوهم الجاهلى، كما انصرفوا عن الحياة العلمية في الاسلام إلي أنفسهم، فانكبوا عليها واستخلصوا منها نعمة لاتخلومن حزن ولكنها نغمة زهد وتصوف. قل انهم انصرفوا الي شيء من المثل الاعلي فى الحياة الخلقية.

وظهر هذا الزهد اوهذا الميل الي المثل الاعلي في مظهرين مختلفين، اختلافاً شديداً: احدهما الزهد الدينى الخالص الذى قد تجد له صدي في اشعار هؤلاء الخوارج الذين كانوا يتركون هذه البوادي لينضموا الي جيوش الخوارج فى بلاد الفرس، والذين يظهر فى شعرهم شيء من الزهد والتقوي وشدة الايمان وسذاجة لاتجده فى شعر غيرهم من الشعراء؛ والاخر هذا الغزل العفيف الذى هوفي حقيقة الامر مرآة صادقة لطموح هذه البادية الي المثل الاعلي فى الحب من جهة، ولبراءتها من الوان الفساد التى كانت تغمر اهل مكة والمدينة من جهة اخري. واذن فهذان القسمان من الغزل اثر من آثار الحياة السياسية فى ايام بنى اميه, اضطرت هذه الحياة السياسية اهل الحجاز الي الابتعاد عن العمل وأوقعت فى قلوبهم اليأس ولكنها أغنت قوماً فلهوا وفسقوا، وافقرت قوماً آخرين فزهدوا وعفوا وطمحوا الي المثل الاعلي. طه حسين- خلاصة القول: ان أليأس والفقر قد احدثا فى البادية فعل ما احدث اليأس والغني في الحاضرة من نشأة هذا الفن الشعري. لكن يأس البادية وفقرها احدثا هذا الغزل العفيف علي حين قد احدث ياس الحاضرة وغناها هذا الغزل العابث الما جن.

خصائص الغزل الحجازى:

ان شعر الحب في العصر الاموى سواء اكان عذرياً ام حسياً، قد اسقط كثيراً من التقاليد الشعرية التي ورثها الاسلاميون عن الجاهليين، فنادراً ما نجد الشاعر الغزل يستهل قصيدته ببكاء الأطلال، فان فعل ذلك لم يجعل الاستهلال لمجرد تقليد لايتصل بموضوع ابياته، بل جعله ضمن نسيج شعره الغزلي، واستأثر الغزل بقصيدة الشاعر يعبر بها عن موقف نفسى واحد. فلم تتسع لاى غرض آخر من موضوعات الشعر التى كانت تضمها القصيدة الجاهلية بصورة تقليدية، كوصف الرحلة بكل ما فيها من صحرا وحيوان، ووصف الراحلة، فان حدث شي من هذا فى بعض قصائد الغزل المطولة- وقلما يحدث- حرض الشاعر علي ايجاد رابطه بين غزله ووصف رحلته وراحلته.

كذلك استأثر الغزل بشعراء فى هذا العصر, لم يتجاوزوا هذا الفن الي غيره، فكان العشق عندهم وجوداً اوحياة، فاستقلت بشعر الغزل دواوين كاملة، كما نري فى ديوان عمربن ابى ربيعة، جميل بن معمر وقيس بن ذريح وغيرهم، اوكان هذا الفن الغالب علي دواوين آخرين من الشعراء العذريين اوالحسيين.

غلب اللين الحضارى علي لغه شعر الغزل حتي عند شعراء البدو، فسهلت الألفاظ ورقت الي حد بعيد، نأت عن الغرابة وقوة الأسر، وكذلك الامر بالنسبة للجملة الشعرية التي اقتربت في تركيبها من لغة الكلام العادية، وخاصة عند ما حاكي الشعراء اقوال النساء بكل ما فيها من لين وضراعة.

خلاصه القول: «انه(الغزل) لم يخلص من السذاجة البدوية، ولم يبرأ من تأثير الحضارة الجديدة، ففيه من البداوة سذاجة تستخفك وتستصيبك، وفيه من الحضارة طلا يبعث فى نفسك الميل الي الاستقساء والاستطلاع. وانت تجد بعد هذا كله عذوبة ولذة فى هذا المزاج الذي يتألف منه الغزل الاموى، والذى يمثل لك هذا الشعب البادى وقد اخذ يحضر ويترف، ويحس علي بداوته كما يحس الحاضرون والمترفون
زعيم الغزل الحجازى:

اول من تعهر فى شعره من العرب وشبب بالنساء، انما هوامرؤالقيس باجماع الرواة. وكان قبل امرؤالقيس خاله مهلهل، ولم يجيء بعد هذين الشاعرين من يتهالك في غزله غير النابغة الذبياني. وقد افحش فى بعض نسيببه افحاشاً كأنه رومى اوفارسى، لطول ما صحب المناذرة والغساسنة.

فكان عمر زعيم الغزل الحضرى، فيما كان جميل زعيم الغزل البدوى، ولكن شعر جميل قد ضاع ولم يبق لنا منه الا شيء قليل جداً، فلم يبق سبيل إلي المقارنة بينه وبين عمر الذي حفظ الدهر لنا شعره كله اواكثره، والذي استقامت لنا اخباره وصحت لنا طائفة من الحوادث المتصلة بحياته، فاصبح من اليسير أن ندرسه ونعلن فيه رأياً صحيحاً اومقارباً.

ومهما تكن مكانة جميل من شعراء البادية والحاضرة، فليس من شك فى ان عمر بن ابى ربيعة كان مقدماً عليه عند اهل عصره. ويجب ان يظل مقدماً عليه من الوجهة الفنية، أننا لانعرف شاعراً عربياً اموياً افتن فى الغزل افتنان عمر. فعمر إذن زعيم الغزليين الامويين جمعياً لانستثني منهم احداً، ولانفرق منهم بين اهل البادية واهل الحاضرة. بل نحن نذهب الي ابعد من هذا فنزعم ان عمر بن ابي ربيعة زعيم الغزليين فى الادب العربى كله، علي اختلاف ظروفه وتباين اطواره، منذ كان الشعر العربى الي الان.

الغزل الأباحي أُوالحضري أوالعمري:

تعددت الدلالات علي طابع هذا الغزل عند النقاد، سماه بعضهم الأباحي، واعتبره البعض الآخر غزلاً مادياً ودعاه طه حسين «غزل المحققين» ولا تخلونسبته الي هذه الظواهر المختلفة من الصدق.

فهوحضري لأنه ظهر في المدن، وکان شعراؤه من اهل الحضر الذين نالوا نصيباً کبيراً من ترف الحياه ونعيم العيش؛ وهواباحي لأن منشديه لم يتورعوا فيه عن وصف لذائذ الوصال بين المرأه والرجل، وبالغوا في ذلک احياناً ولم يجدوا حرجاً في کثير من الأوقات. وهومادي لتلک الأسباب التي ذکرنا، لأنه يصور أحاسيس الحب المادية.

وهوغزل واقعي، لأنه يعکس واقع المجتمع الحضري، ونفسية المرأة في ذلک العصر، ويدخل بنا الي ردهات تلک الحياة الناعمة، حيث لاذکر الا الهوي، ولا حديث الا عن العلاقة، ولا اهتمام الا بشؤون القلب وقدشاء الدکتور طه حسين ان يهتم بالجانب الذي يمس الغزليين في هذاالشعر فسمي اصحابه «المحققين» لأنهم اهتموا بالناحية العملية من الحب، وقصدوا الي الوصال ولم يذهبوا کالعذريين الي تصوير اليأس والحرمان واظهار العفة والبراءة.

هؤلاء الشعراء انقطعوا للغزل، اوکادوينقطعون له ولکنهم لم يلتسموا الحب في السحاب، ولم يتخذوا العفه مثلهم الأعلي، وانما عبثوا ولهوا واستمتعوا بالحياة، وتغنوا هذا العبث واللهووقصروا شعرهم عليها، اوجاوزوهما الي فنون اُخري من الشعر، ولکنهم لم يبلغوا منها ما بلغوا من الغزل. زعيم هؤلاء الشعراء عمر بن ابي ربيعه.

الغزل العمري تعبير عن طبقه متحررة منطلقة، تضع شهواتها وملاذها فوق کل شيء وتلوب في حياتها تنشد هذه الملاذ والشهوات. انها لم تنس نصيبها من الدنيا ولکنها نسيت نصيبها من الآخرة ولم تبتغ الدار الآخرة وانما ابتغت الفساد في الأرض. . . طبقة من سادة قريش وغير قريش وهوشبابها. عادت الي شي من حياة فيها غير قليل من بقايا الجاهلية فغلب عليها الخمر والفساد والاماء واتيت من هذا النحو.

فهوايضاً التعبير عن العاطفة التي تکالبت علي اللذة في غير حرمان، فأصبح حکاية حال، ووصف الوان واشکال. وذکريات في غير حنين، تشکيات في غير أنين، وتصريحاً في غير اقتصاد، وتلبية لکل هوفي غير تردد ولاغناء. ومن ثم فهوالتجربة التي لايصقلها الألم، ولا يحرق أنفاسها الوجد والجوي، وهذا النوع من الشعر يحفل بمظاهر الحضارة الأناقة، وأساليب الأغرار والتحايل، ولکنه بعيد عن اغوار النفس، يمتد في العرض والهول، ضاحکاً في آلامه واعماله، حياً في حرکاته وحواره، جذاباً في لينه وعنائيته، الا انه قلما ينقل التجربة المؤثرة التي تهز الکيان وتبعث الأشجان.

وما من شک ان قصيدة الغزل الحضري في العصر الاموي تمتد بجذورها الي قصيدة الغزل الحضري التي عرفت عند امري القيس والأعشي علي وجه الخصوص، في العصر الجاهلي، غير انه ما من شک ايضاً، انها تجاوزتها بالآلاف الأشواط، وذلک لتجاوز الحياة الحضرية في العصر الاموي حضارة الماضي الجاهلي بالأشواط ايضاً.

يؤکد عميد الادب العربي، أن عمر بن ابي ربيعه هوزعيم الغزليين، وزعيم الشعراء العرب قاطبة إلي يومنا هذا، لأنه استطاع ان يمثل العصر الذي کان يعيش فيه، والبيئة التي کان يحيا فيها، فشعره يصور الحياة الحضرية في الحجاز علي حقيقتها، حيث کان سراة قريش والحجاز يقضون حياتهم الهادئة الفارغة، ويصلون بعضهم بألوان الصلاة المختلفة الحلوة. کذلک يصور حياة المرأة المترفة الارستقراطية، وحياة الشباب الحجازي الساعي إلي لهوابناء السادات وترفهم الذين ضاق بهم الساحه السياسية، فأسرهم نعيم العيش وأسرهم. فضلاً عن ذلک، فعمربن ابي ربيعة، کان يعيش عيشة الرجل المترف الذي اتيحت لهم اسباب اللهوووسائله، غير انه كان مقيداً بشرفه ومكانته وما الف الناس من الاوضاع الاجتماعية، بحسب رأي طه حسين، ولهذا اتي شعره صورة صادقة، وربما ناطق عن عصر اندرجت فيه الحضارة من الوضيع إلي الرفيع.

واذا کان لطه حسين ان يقابل بين عمر بن ابي ربيعة، واي شاعر آخر، فقد جعله بازاء شاعر الحب الفرنسي «الفرد دي موسيه «الذي انتجته الحضارة الفرنسية»».

فالحب الحسي الذي هواثر من آثارالحضارة الفرنسية عند الفرد دي ‌موسيه توافر ايضاً لزعيم العربي عمر بن ابي ربيعة الذي کان يمتليء بالحب الحسي، بحسب رأي طه حسين، نحن نري في ذلک شاهداً آخر علي عمق الأثر الحضري في شعر ابن أبي ربيعة.

الى هنا ذكرنا ان عمر ابن ابي ربيعة كان زعيم الغزل الاباحي ولكن نجد قد جاء في كتاب قصة الادب في الحجاز في العصر الجاهلي ان"سحيم عند الحسحاس هوالذي فتح باب الغزل المدي على مصراعه وهولم يكن عربيا مما يدل على ان نشأة هذا الغزل المادي كانت اجنبية عن العرب فهوعبد اسود نوبي اشتراه عبد الله بن ابي ربيعة وعرضه على عثمان فرده واشتراه بنوالحسحاس وتأثر خطاه عمر بن ابي ربيعة وان لم يفحش مثله.

وبرأيي بما ان نرى نضوج هذا الجنس الشعري في العصر الاموي وخاصة عند عمر بن ابي ربيعة ولذا نعتبر عمر مبدع هذا الجنس الادبي.

وجملة القول: ان مدرسة الغزل الحضري، اذا کان لها ان تنهض بزعيمها عمر بن ابي ربيعة وبأرکانها العرجي والأحوص و‌يزيدبن‌الطئرية، فلأن هؤلاء کان لهم أن ينشأوا في حجور الحضارة العربية في العصر الاموي، وإن ينقطعوا للحياة في جبناتها فيشربوا من مائها ويناموا علي فراشها، مما اسهم في انتاج هذا اللون من شعر الغزل الذى جعل الحب يندرج علي الشفاه وينموبين الحنايا، دون أن يزول.

منشأ هذا اللون من الغزل في حواضر الحجاز، بينا کانت نشأة الغزل العذري في بواديه، وترتبط هذه النشأة بالظروف التي احاطت بالحجاز منذ خلافة عثمان حتي قيام الدولة الاموية، والسياسة التي ترتبت عن انتقال الحکم من الخلافة الدينية القائمة علي الشوري الي ملک قائم علي الوارثة.

کان هدف السياسة الاموية- تجاه المعارضة القوية في الحجاز- عزل هذا الاقليم عن شؤون الدولة وسياستها، ووقف النشاط السياسي في الحجاز، لمکانة هذا الاقليم وتاثير آرائه وميوله في سائر الأقطار الاسلامية. ولم يکن بوسع الامويين دائماً اتباع سياسة العنف في الحجاز، منعاً لتفجر الموقف وازدياد خطورته لأن سكانه هم الذين نهضوا بالدعوة، وبذلوا للفتح. فعمد الامويون الي اساليب خاصة لتحقيق هذه العزلة کان في مقدمتها نقل عاصمة الخلافة إلي الشام. وبذلک ضمنوا تحويل النشاط الادارى عن مدن الحجاز، بحيث بات اقليماً عادياً، فخسر مرکز الزعامة الذي کان له ايام الراشدين، ثم احاط بنوامية هذا الاقليم بجومن الدعة حين هيأوا له اسباب اليسار والثروة، ووفروا فيه عومل اللهو.

وقد تلاقي هذا المنهح السياسي مع الشعور الذي کان يغمر الحجاز، وهومزيج من الخيبة واليأس في ناحية، والنقمة والحقد في ناحية ثانية، فکان لابد للحجازيين من الاستکانه والاذعان للأمر الواقع. حقاً انهم اصحاب الحق-ولکنه غير قادر علي المقاومة، وشرعي الشرعيه لکنها بلاسلطه. فليکن اغراق في النعيم وتعويض عن وجاهة الزعامة، بوجاهة الغني والبذخ، وتحول من حياة الجهاد الي حياة الترف.

وهکذا أقبل الحجاز، سواء في ذلک انصار بني امية ومعارضوهم، راغبين اوکارهين، علي هذه الحياة الجديدة، حيث کثرت الجواري وشاع الغناء، واتجه الشعر مع هذا الاتباع علي الغزل، يري فيه الحجازيون وسيلة لعلاج مشاعر الحقد والقنوط.

وان مؤلفي قصة الأدب في الحجاز في العصر الاموي يران ان الاماء وثأثيرها على الشعر كانت موجودة في العصر الجاهلي وفي الادلاء بآرآءهما قد جاءا بهذا الكلام"والظاهر انه نشأفي البيءة الحجازية من تأثير الاماء اللواتي كن لا يتحررن ولا يبالغن في العفة وكن لا يأتين الى الحجاز من طرق شتى. ويكفي ان نعرف ان جوائز الملوك الشعراء تكون من الاماء بعض الاحيان. وقال النابغة يمدح النعمان بأنه يبذل الاماء المنعمات في هباته جنبا الى جنب مع الابل الغلاط الشداد:

الـواهب المأئة المعكاء زينها
سعـدان توضح في اوبارها اللبد

الراكضـات ذيول الريط فانقها
برد الهـواجر كالغرلان بالجـرد


وبسبب شيوع الغناء، وشيوع مدارس وجوقاته واجوائه واندائه ومنتدياته في جميع مدن الحجاز ونواحيه کان لابد من ظهور فريق من الشعراء بجانب المغنيين والمغنيات. يمدونهم بالقصائد والاشعار التي هي مادة الغناء الاولي. وقد وجد شعراء المدرسة الحضرية انفسهم وهم يلازمون هؤلاء المغنيين والمغنيات، ويقدمون لهم احدث القصائد والمقطوعات التي تتلاءم مع ذوق الخاصة والعامة، في ظلال النعيم والدعة والفراغ

ان شعر عمربن ابي ربيعة واصحابه الحجازيين مع مداره علي الغزل فقط ومع قربه مرة من الخلاعة لم ينحط ابداً الي الفحش والمجون المحض الکثير، وجوده في غزل شعراء عهد العباسيين ثم من الجدير بالذکر ايضاً انّ عمر بن ابي ربيعة واکثر شعراء الحجاز لاسيما مکة في زمن الامويين الي اوائل القرن الثاني امتنعوا عن باب الخمريات في شعرهم امتناعاً تاماً ولم يذکروا الخمر الا في التشابيه، وذلک مع ان شرب الخمر غير مجهول في ذلک العصر بالمدينة.

ولم يکن عيش وشعر عمر الا في الغزل. فمن المعروف ان عمر بن عبدالعزيز نفاه الي جزيره دهلک لفرط تشبيبه بنساء ذوات الأخطار من اهل المدينة. ثم عفي عنه ومات بدمشق بعد المأئة بسنين قليلة32.

ميزاته:

ومن ميزات هذا الغزل عدم ثبات الشعراء علي امرأة واحدة بل کانوا دائمي النقلة کالنحلة من زهرة إلي اخري مما دعا الي کثرة الأسماء عندهم کما سار اکثرهم علي نهج قصصى شأن بعض الشعراء الجاهليين، وان کان بعض الدارسين يعدون عمر بن ابي ربيعة، مبتکراً له مجاراة للدکتور طه حسين الذي استنکر واستعبد ان يکون امري القيس رائد الاسلوب القصصى ومن البوادر الجديدة في الغزل الحسى الاموى کثرة الرسل والاشارة الي الرسائل الغزلية مع النساء.

اما الشعر الغزلي الحسى اوالصريح کما يسميه بعض الباحثين فهويصور احاسيس الحب ومغامراته فى المجتمع المتحضر الذى ظفرت فيه المرأة العربية بقدر كبير من التحرر, وكانت لا تضيق بما يقال فيها من غزل. ويتميز هذاالعصر ببعده عن العواطف المجردة والتعبير عن الشهوات الحسية واهتمامه بمحاسن المرأة وجمالها الجسدى ووصف تمتع الشاعر بها. ويري احد الباحثين ان المتمعن في شعر عمربن ابي ربيعة لا يري تلک النزعة الحسية التي يشير اليها کثير من الدارسين، فغاية الشاعر الاولي کانت غاية فنية، يقصد بها أن يفلح في رواية تلک الحرکة المادية النفسية للزائر العاشق، والمزورة المشدودة بين الحب والرجل. وذلک الحوار الدرامي القريب من لغة الحياة. أولغة النساء، المفصح احياناً عن کثيرمن الخلجات النفسية الدقيقة. ولم يکن هم الشاعر ان يصف متعة اويتحدث عن شهواته، اويصف محاسن صاحبته وصفاً حسياً تفصيلياً. . . فالقصيدة تنتهي في اغلب الأحيان بالأشارة الي متعة حسية يسيرة لا تناسب مع الجهد الذي صوره الشاعر قبل.

فى هذا المجال يؤکد الدکتور شکري فيصل: ان غزل عمر بن ابي ربيعه، کان ينطبع بطابع الغزل الحضرى، ويعلل رأيه هذا باسباب عدة. منها، " غياب الأطلال في المطلع. . . فلم يبدأ عمر بها ولم ينطلق منها، ولم يجد انه مربوط ما ارتبط به الجاهليون. . . وانما کان منطلقة فيما رأينا، ذاته التي حرمت الوصل وعاشت علي المواعيد. . . ومنها بدا وان عمر خالف عن سنة العربى الجاهلى، وان هذه المخالفة کانت استجابة لهذه الحياة الحضرية التي کان يحياها وتمثيلاً بها وتعبيراً عنها"

کان عمر يقتصر القصيدة علي الغزل فلايکاد يقول الا غزلاً، ثم انه لم يقل الا فى الغزل، ومع ان عمر بن ابي ربيعه لم يبتکر شيئاً من خصائص الغزل العامة، فانه قد جمع معظم هذه الخصائص في شعره واجري الغزل فى قصص وحوار حيناً وفي نقاش وامتناع حيناً آخر. ومثل ذلک فعل نفر کيثرون من الشعراء المغامرين الذين کانوا يتبعون الجمال ويهيمون بالمرأة هياماً يجرون فيه علي مقتضي الطبيعة البشرية

وغزل عمر لذلک بديعٌ، لأننا نتسطيع ان تنفذ منه الي معرفة کثير من المحرکات النفسية للمجتمع العربي فى مكة والمدينة وما أصابه من تبدل تحت تأثير الحضارة الجديدة، ذ أتاح لنا بواسطة هذا الحوار المفتوح في الديوان بين السيدات علي جماله وفتنته ان نتعرف الي کثير من جوانب الحياة المعاصرة له، وخاصة حياة النساء وما نلن من حظوظ في الحرية، وايضاً فانه کشف في احاديثهن عن جوانب کثيرة من نفسياتهن وما يتغلغل فيها من تُرّهات وخلجاف ووجدانات.

ومحور الغزل هوعمر نفسه وعشق النساء له، ولکن سقط في اثناء ذلک کل ما يصور المرأة المعاصرة له في مکة والمدينة بواسطة هذه الأحاديث التي يجريها بين النساء أوهذا الحوار الذي يلفت کل من يقرأ غزله. وبما کانت هذه هي الخاصة الثانية الکبيرة في ديوانه: ففيه حوار مفتوح لاينضب معينه ولاتجِفُّ قطراته في نفسه. ومن هنا کان لغزله طابع ثان يخالف فيه طابع الغزل العربي کله الا مايأتي نادراً، ونقصد طابع القصص والحوار الذى يشيع في شعره، وهو طابع يعدُّ لطابع الأول، طابع المعشوق لا العاشق، فانه اتي النساء في شعره لاليبثهن بتاريخ الحبّ، ولا ليصف جمالهن، ولاليشکوعن هجرهن ويصف آلامه, وانما جاء بهن ليعبرن عما ينفث من لواعج الحب فيهن، وليصفن حسنه البديع، ومايتألمّن به من هجره وصدّه، فهي مصورات في شعره, مشغولات به, هائمات بجماله، تتردّد الأحاديث بينهن في فنه واغرائه.


عدل سابقا من قبل هيا ترمانيني في الأحد أبريل 04, 2010 8:24 am عدل 1 مرات
avatar
هيا ترمانيني

المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 07/03/2010
العمر : 23

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شكر

مُساهمة  المدرّسة سلوى في الأحد أبريل 04, 2010 6:59 am

أشكرك ياهيا على جهودك المبذولة وأتمنى لك دوام العطاء والصحة والعافية
avatar
المدرّسة سلوى
Admin

المساهمات : 56
تاريخ التسجيل : 09/02/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى