أنواع الغزل عبر العصور الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أنواع الغزل عبر العصور الجزء الثاني

مُساهمة  هيا ترمانيني في الأحد أبريل 04, 2010 8:09 am

الحوار القصصي:

واما القصص والحوار فنأخذهما بمعناهما العام، فلانفني الروايه بکل ما فيها من فنٍ قصصي وعقدة ومتعة فينة، ولا يعني الحوار التمثيلي الذي يجرى علي المسارح؛ انما نعني الحديث المنظوم الذى يکاد يتفرد فيه ابن ابي ربيعة.

وهذا الحوار معروف في الادب الجاهلى، فقد أتي امرؤالقيس بالقصص والحوار في شعره، الا ان ابن ابي ربيعة قصد الي ذلک قصداً وجعله قوام فنه الشعري، فبسط فيه القول، والقي علي حلاوة ولباقة وبلاغة لم تجمتع لغيره.

ويقوم ابداع عمر في فنه هذا بأن تجرى فيه الدقة الواقعيية، واذا النساءيظهرن فيه بأخلاقهن، واشاراتهن، وحرکاتهن، واذا هن يطلبنه ودائماً، ويتحدثن عنه في غيابه، ويتغزلن به اکثر مما يتغزل بهن، ويلقين عليه النعوت الجميلة فکان عمر لايهتم للفن الشعرى بقدر ما يهتم لأدخال لغة النساء فيه:

بينـما ينعتنـي أبصرننـي دون قيد الميل يعدوبي الأغـزٍ

قالتٍ الکبري أتعرض الفتي؟ قالت الوسطي «نعم هذا عمـر!»

قالت الصغـري، وقد تيمتُها «قد عرفناه، وهل يخفي القمر؟»

وعمربن ابي ربيعة، في قصصه وحواره فيکثر من القسم واشهاد الله والاستحلاف، وقد يکون ذلک من خصائص الحديث في ذلک العهد.

بربک هل أتاک لها رسول فنشا تک ام لتيتً لها حًدينا

فعمر يتحدث معنا بلسان النساء ونفسيتهن، وما يغمرهن من غيرة شديدة حين يتغني شخص بجمال احداهن وما لها من فتنة واغراء.

وغزل عمر ظريف من هذه الناحية، فهويقصُّ، علينا کثيراً من احاديث النساءوتُرّهاتهن، وما يجول فى اذهانهن، وکل ذلک يمده فيه تربية امه له، وما تعوّده من الجلوس مع المرأة في عصره. واکبر الظن أني لا أغلواذ زعمت ان عمر به جانب من انعکاس العاطفة وشذوذها، فنحن لا نجد عنده الشاعر الغزل المألوف الذي يعني بوصف حُبّه، وانما نجد شاعراً يعنى بوصف المرأة نفسها وصف احاسيسها، وکان غايته من ديوانه ان يصف المرأة وصفاً نفسياً.

ومعني ذلک ان عمر في ديوانه وغزله معطّل الي حد کبير، اذ حول الغزل من الرجل الي المرأة، فالصوره العامة فى غزله انه معشوق لا عاشق، وعمر في ذلک يعبّر عن تطور جديد فى الحياة العربية، فقبله لم نکن نعرف شاعراً يصبح شخصه موضوع الغزل فى غزله، انما شخص المرأة فهوالموضوع المعروف للغزل، وبعبارة اخري کانت المرأة قبل غزل ابن ابي ربيعة هي المعشوقة، اما في غزله، فقد تحولت الي عاشقة، کما تحول عمر نفسه من عاشق الي معشوق.

ولعل هذا ما جعل عمر ينفرد في غزله بشخصيته واضحة، ولم يستطع احد أن يجاريها، لأن عمر نفسه ليس من السهل ان يوجد مراراً، اذ لابد للشاعر من ظروف کثيرة تحوّله من عالم العاشقين الي عالم المعشوين، لابد ان يکون له ثراء عمر، وان تکون له امه التي عاشت له، وعاشت تعشقه، وايضاً لا بد ان يوجد مجتمع مکة وما فيه من نساء أصبن شيئاً من الحرية، فکثر الاختلاط بينهن وبين الرجال، علي نحوما کثر بين نسا مکة وابن ابي ربيعة.

واذن لم يکن عمر عاشقاً في غزله، بل کان معشوقاً ولعل ذلک ما يدل بوضوح علي فساد هذا القصص الذى اکثر منه الرواة عنه، والذي حکاه صاحب الاغاني، فاکثره لايتفق وهذه الشخصية التى شذت فى عواطفها ولذلک کنا لانشک في عفّة عمر کما شک القدماء، نمثله في تربيته وعواطفه لايکون اباحّياً، ولعل ذلک کان سبباً مهماً فى ان نساء قريش کنّ يبرُزن له، ويتحدّثن اليه.

والحوار القصصي جعل الشاعر فيها اسير مدرسة شهيرة من مدارس الفن القصصي في الادب الحديث وهي المدرسة الواقعيية التي لا تأنف من تصوير الواقعة كما هي، واذا اجبنا قياسه بمقياس المدارس الادبية المعاصرة.

والملاحظ ان مثل هذه الحوادث العابرة كثير في قصائد هذا الشاعر، وقد نظمها لذاتها، مسجلا فيها بداوته ومغامراته، كما يفعل من يدون مذكراته اليومية مصورا ما جرى معه خلال اليوم من حوادث واخبار، ولوشئنا ان نقولها من الناحية الفنية القصصية، لرأينا ان الحوار القصصي هوالعنصر البارز الذي يطعن فيها على سائر العناصر الاخرى التي يمكن ان تتوافر في القصة، وهذا هوالذي جعل (العقاد) يرى ان عمر لم يبدع-كما يقول بعض النقاد-في فن القصة المنظومة، بل ابدع في الحوار القصصي اوما يطلق عليه الحديث المنطوم.

برأيي سبب تسميته بالحديث المنظوم لان هذا الشعر والغزل عند العمر واصحابه لا يصدر عن عاطفة الشاعر الصادقة لذا سمي بالحديث المنظوم بدل الشعرالذي يصدر عن العاطفة الصادقة.

ونستطيع بذلک ان نفهم لماذا لم يکن لعمر مدرسة في تاريخ الغزل العربى، لأنه کما قدمنا کان متفرد الشخصية، وعملت ظروف مختلفة في تکوينه ليس من السهل ان توجد عن غيره، ولاريب في انه ثمرة نهايئة لهذه الخسارة التي دخلت في مکة والمدينة، فأرهفت المشاعر، وطبعت الناس بطوابع جديدة، وقد يکون فيه ضرب من الشدوذ العاطفى، ولکنه مع ذلک استطاع ان ينفذ الي تصوير مجتممه الجديد، فنحن لانقرأ ما يصف به امرأة عصرهِ واقبالها علي حديث الرجال وما يکون بينهما وبينهم من رسل، حتي نطلع علي صوره جديدة للمرأة العربية.

وهذا القول الذي جاء به شوقى ضيف. ان عمربن ابي ربيعه لم يکن له مذهب ومدرسة شعرية برأيى مردود لأننا نجد جاء فىکتاب( کيف أفهم النقد): «هو» عمربن ربيعه «مؤسس المدرسة الواقعية في الادب العربي وان سبقته امرؤ القيس والنابغة الذبياني بقليل من الشعر کان بمثابة الاساس الذي اقام عليه عمر دعائم مدرسته»

ميزة الحب العمري:

انه بوجه عام حب حسي يهيم بالصورة الجميلة ويذهب مذهب الواقعيية، لا يعرف اثراً للمعاناة في العلاقة، ولايعکس شعوراً بالحرمان. المثالية فيه ليست فى القناعة والعفة، بل هي فى الاستجابة للجمال في کل انواعه وقسماته وبکل الجوارح والأحاسيس. وهوکذلک حب متحضر، لايعرف الثبات، ولاقدرة له علي المعاندة يميل الي اللهوالعابر، ولا يسعي للامتلاک الدائم. تتجدد اجواؤه، وتنتقل خطاه في عالم الحس وهياكله المختلفة,ليس من طبعه أن يكون عبارة صامتة للروح لأنه اندفاع جري الي الوصال، مليء بالحرکة، مفعم بحرارة الشباب وصولته. وتتکرر هذه الميزات في اکثر قصائده، لتهالکه علي اللون الواحد من الشعر.

المرأة في الغزل الحضرى:

والمرأة العربية في عصر ابن ابي ربيعة هي امرأة متحضرة، وقداتيح لها من الفراغ واسباب زينة الحياة مالم يتح للمرأة الجاهلية.

واذا رصدنا جوانب هذه الحياة الحضرية، فقد نجد کيف نضت عنها ملابس المرأة المتحضرة وحيها وطيبها في اشعار عمر بن ابي ربيعة وارکان مدرسته الأحوص والعرجى. فصورة المرأة کما تعکسها لنا قصيدة الغزل الحضري في العصر الاموي، هي صورة منعمة مترفة، تحف بها الجواري، يسلينها ويعدون لها من افانين الهوي واللعب واللهو، ما تقطع به وقتها قطعاً هنيئاً وفي ظل هذا المجتمع الجديد کانت النساء يصبن شيئاً من الحرية، فکثر الاختلاط بين الرجال وبينهن، مما نحا بالشعراء ان يقفوا وقفة شاهد حى علي تجربة جديدة هي اثر من آثار المدنية ,فلا عهد لنا من قبل بشاعر ليحدث بلسان النساء فأباح بما يملأ قلوبهن من غيره، ومايدور في نفوسهن من خلجات انثوية صادقة.

کان عمر اشهر اهل الحجاز يومئذ بالظرف والدقة وطباع الغزل. وخلقت تلک البيئة عمر خلقاً نسائياً، حتي کأنما کن ينجذبن اليه للمناسبة الجنسية، . . . فقد کان في ايام الحج يلبس حلل الوشي ويرکب النجائب، المخضوبة بالحناء عليها المقطوع والديباج ويسبل لمته ويخرج يتلقي العراقيات الي ذات عرق، وتتلقي المدنيات الي مرّ ويتلقي الي الکرير وکل دلک التماساً للغزل وطلباً لمأتاه.

وشخصية المرأة عند شعراء الاتجاه الحسى ثانوية بالنسبة الرجل، وخاصة في شعر عمر بن ابي ربيعة وهي اداة للمتعة وهي مدلهة في حب صاحبها الذي يبدودائماً قادراً عليها، وهي التى تشکووتتعذب وتستعطف.
فقد اخذ شعر الغزل في المدرسة الحضرية، ينمونحوتأسيس لغة شعرية جديدة، تقوم علي هجر الألفاظ الغريبة، وبناءها بناء سهل، يتلاءم مع حياة الناس الجديدة التي تحضّرت حتي يقتربوا منهم في لغتهم اليومية ولهذا فقد جاء هذا الشعر قريباً کل القريب من حياتهم ومن مجتمعهم، هويقرب من هذه الحياة، وذلک المجتمع فى العواطف التى يصورها، کما يقرب منها فى اللغة التى يتحدث بها الناس.

واقترب الشاعر من لغة الکلام العادى، وخاصة حين اجري الحوار علي لسان المحبوبة وجعله واقعيياً محضا ًفي لفظه وصياغته وايقاعه.

اوزان الغزل العمرى:

يختلف العروض فى ديوان عمر بن ابي ربيعة عن عروض شعراء عالم البداوة ويتميز ايضاً عن عروض شعراء الجاهلية، وهويقرن-بالعكس- بالعروض المستعمل في ديوان العرجى مثلاً، فان البحور (التقليدية) ممثلة بوفرة في الديوان وبخاصة بحر الطويل، وبدرجة اقل الکامل والوافر، ويجدر الاشارة الي ان الکامل يبدوفي الديوان مجزوءاً، وعلي کل حال، فان البحور الأکثر غنائية، نموذجياً تسيطر في الديوان وفي طليعتها الخفيف والزجل والرمل. ويحمل هذا التقرير علي الاعتقاد بأن هذا الأثر الشعري مؤلف قبل کل شيء، من قطع ومقطوعات معدة للغناء.
قول شوقى ضيف: نستطيع ان نلاحظ هذا التلاؤم عند عمر فى جانبين من ديوانه، اوقل من موسيقي شعره، اما الجانب الاول فهواستخدامه للأوزان الخفيفة، کما يلاحظ من يقرأ الأشعار التى استشهدنا بها فيها ، وهي اوزان کانت تلائم الغناء الجديد من مثل اوزان سريع والخفيف والوافر والرّمل والمتقارب، وکانت هذه الألوان موجودة في العصر الجاهلي، وعمر من هذه الناحية لم يوجد وزناً جديداً، وانما اکثر من استعمال الاوزان السهلة، التي لايحتاج مجهوداً من المغنى، والتى فى الوقت نفسه تتيح له ما يريد أن يحمّلها من الحان وايقاعات، ولذلک عني بهذه الألوان حتي يخفف علي المغنين والمغنيات.

واما الجانب الثانى، فهوجانب تقصير الأوزان وتجزئتها, وهوايضاً جانب واضح فيما استشهدنا له من اشعار، وهوجانب کان موجوداً في القديم، ولکن عمر اکثر منه اکثاراً، حتي ليکاد يکون خاصة من خصائص ديوانه، فکثير من غزله بنى من مجزوءات: حتي يهيئ للمغنين والمغنيات الفرصة لتطبيق الحانهم وانغامهم التي اجتلبوها من فارس اوالروم.

والصورة العامة في اوزان عمر أنها اوزان سهلة خفيفة، وان کثيراً منها جزّئ، حتي يکون خفيفاً علي هؤلاء المغنين من الأجانب، ونحن نظن ظناً ان تحريفات کثيرة وقعت، وان کانت کلها تستهلکها نظرية الزحاف والعلل التى اتي بها الخليل بن احمد، اذ قال ان کل تفعيلة من حقها أن تُعُلّ عللاً کثيرة، بتسکين المتحرک فيها، اوحذف ساکنها، ونحوذلک.

وقوام هذه المدرسة

1-السعي الى المرأة حيثما كانت وبشتى الوسائل الممكنة، لا لانها امرأة وحسب، بل لانهم يعشقون الجمال واللذة، وليس كالمرأة من كائن يجمعها معا.

2-التصريح في الحب والفعال تصريحا يصل الى بعض التفاصيل، من دون تبدل اواسفاف في اللغة الشعرية والوصف الحسي، الا فيما ندر.

3-عاطفة سريعة قوية، لا تحتمل الصبر، ولا تدخلها المعاناة الا من قبيل السعي الى اللذة، ولا للوجد والشوق والهيام.

4-اللغة الشعرية الواضحة.التي تم ذكرها

اصحاب الغزل الحضري:

من قريش: اول من تجرّأ علي التشبيب منهم ابن ابي عتيق، وهوحفيد ابي بکر الصديق، ويقولون انه کان طاهراً عفيفاً شبب عن غير ريبة، ثم عمر بن ابي ربيعة من قريش والعرجي وهومن قريش ايضاً، وغيرهم. وکلهم من شعراء العصر الاموي. فتجرأ الشعراء من غير قريش علي الاقتداء بهم حتي شاع التشبيب، وصاروا يعتقدون ان الشعر لايحس الا به لما فيه من عطف القلوب فيبدأ الشاعر الحضرى بذکر الحبيب والصدود والهجران، کما يبدأ البدوى بذکر الرحيل، والانتقال ووصف الطلول.
يروي ابوالفرج:كانت العرب تقر لقريش بالتقدم عليها في كل شيء الا بالشعر، فانها كانت لا تقر لها به حتى كان عمر ابن ابي ربيعة، فاقرت لها بالشعروايضا لم تنازعها شيئا.

وفي الختام جدير بالذکر «ان الخصائص الجديدة: قليلة في شعر عمر، اما ميزة عمر الکبري فهى انها جمع خصائص الغزل التى کانت قبله. ثم احسن تصريفها في شعره، وعمر قصر شعره کله علي الغزل,ثم قصر القصائد علي المعانى فانتهي به المعني. فکل قصيدة لعمر موضوع تام في نفسه، سواء أکانت ابياتاً قليلة اوابياتا کثاراً»

الغزل العذري اوالعفيف (نشاته، سماته، خصائصه وشعراؤه):

نحواواسط القرن الاول للهجرة فيمايليها واخذت بعض شعراء اهل الوبر المعدودين يقول القصائد في مجرد النسيب بل لايتعاطون غيره وصناعتهم بعيد عن اسلوب شعراء الجاهلية وعن منهج الغزليين عن اهل المدر, فانهم لايعشقون الاإمراة واحدة، جعلوا عيشهم فداءها ولا يتغزلون ولايفتخرون بنيل وصلها وانما يظفرون في شعرهم رقة القلب وشدة الحنوويكثرون في بيان الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الاشواق الم الفراق وفرط الحزن والغم واليأس وكل ذلك مصوغ في قالب رشيق, مترجم بلفظ رقيق, وكلام لطيف عفيف لايدخل فيه شيء من الخلاعة والشهرة الدينية

تسميته: ان الغزل العذري اكتسب اسمه من قبيلة بني عذرة احدي قبائل قضاعة التي كانت تنزل في وادي القري شمالي الحجاز، لان شعراءها اكثروا من التغني به ونظمه55 ويصيرون الي الجنون ومن قبيل صدفة غريبة فان هولاء العشاق المتيمين ينتمون الي قبيلة اصيلة الجنوب العربي، وهذه يضاف اليها حديث منحول:" من احب فعف فمات مات شهيدا".

ماهية الغزل العذري:

فالغزل العذري تعبير عن وضع طائفة من المسلمين كانت تتحرج وتذهب مذهب التقي، وتؤثر السلامة والعافية علي المقامرة والمخاطرة، وتري ان النفس امارة بالسوء "ان النفس لامارة بالسوء" وان النارقد حفت بالشهوات علي حد تعبير الحديث الشريف "وانه من الخير لها ان تصبر. . . "وان تلتزم ما امر الله به ان يلتزم ‍وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتي يغنيهم الله من فضله.

اما الغزل العذري التعبير الفني الشعري عن هذا الحب. . . انه هذه الثروة الشعرية التي خلقتها لنا النفوس المحبة التي تذرعت بالايمان واجتمعت بالعفة. ولنا ان نقول اذن ان الغزل العذري هوالمظهر الفني للعواطف المتعففة والمتلهبة في آن معا والتي وجدت ان هذا التعويض الفني هوخير ما تطفيء به لبهما وتتسامي به في غرائزها

ولادة الغزل العذري وعوامل نشأته اوظهوره:

قد يكون من العبث ان تحدد ولادة هذا الفن الشعري ذلك انه ظاهرة من الظواهر الفنية التي ترتبط اشد الارتباط بالظواهر الاجتماعيه. . . ومثل هذه الظواهر تمتاز بانها ليست منفصلة عما قبلها ولامنفصلة عما بعدها. . . فليس لها هذا التوقيت، وليس في صورتها المكتمله التي نراها عليها مايبيح لنا ان نقول انها نشأت في هذا العصر اواستوت في هذه الفترة

وكان الاسلام اقوي العوامل في ظهور هذا النوع من الغزل، از خلق ادراكا جديدا للعاطفة، فيما دعا اليه من جهاد النفس، ومقاومة الهوي، وفيما هيا للروح الزهد، وبتهوينه من

شأن الدنيا، وتهوينه لعذاب الاخرة، وكانت مقاوة النفس للهوي اكبر ظاهرة تجلي فيها زهد هؤلاء الغزليين من المتاع الحسي، حتي كان بعضهم من الزهاد والاتقياء

وفي بيان تأثير الاسلام في ظهور هذا الجنس نقوم بدراسه حياة البدوبين في العصرين الاسلامي(الاموي) والجاهلي علي حسب ما جاء به طه حسين في حديث الاربعاء: يكفي ان توازن بين حياه البدوبعد الاسلام وقبله، لتري ان هناك فروقا عظيمة بين هذين النوعين من الحياة، ولكن هذه الفروق تكاد تقتصر علي الحياة المعنوية وحدها. فلم تكد الحياة المادية تتغير عند هؤلاء الناس بعد الاسلام، وانما كانوا في ظل الخلفاء كما كانوا في عصر الجاهلية: يخضعون لقوانين البداوة ويقاسون من شظفها وخشونتها مثل ما كانوا يقاسون في العصر الجاهلي. وربما اتيح لهم شيء من سعة الحياة، ولكنه لم يكن كثيرا ولاموفورا، ذلك لا نهم لم يكونوا يشتركون في الحياة السياسية، فان فعلوا لم يكونوا يحتفظون بالحياة البدوية.

وربما كان من الحق ان نلاحظ ان هؤلاء الناس من اهل البادية كانوا قد احتملوا اعباء في الاسلام لم يكونوا يحتملونها في الجاهلية، اريد اعبا الصدقة والزكاة، فقد كانوا قبل الاسلام احرارا لايؤدون اتاوة ولا يخضعون لنظام الا ما اصطنعوا لا نفسهم من نظمهم الخاصه فيما بينهم. اما بعد الاسلام فقد ضربت عليهم الضرائب واخذوا بالصدقات في سائمتهم. اضف الي هذا شيئا آخر، وهوان الاسلام قد اخذ علي هؤلاء الناس شيئا من طرق الكسب التي كانت مألوفة في الجاهلية، لأن الاسلام اقرا السلام بين القبائل البدوية وحال بينهما وبين ما كانت تتخذه مجدا وشرفا ومكسبا من الغزووضروب الاغارة. فلم يكن يتاح للقبائل بعد الاسلام ان تتغازي ويغير بعضها علي بعض، كما كانت الحال في الجاهلية. واذن فقد كانت الحياة المادية عند اهل البادية بعد الاسلام شرا مما كانت عليه قبل الاسلام، ولهذا لم تدم الحياة الاسلامية المنظمة في البادية عصرا طويلا، ولم يكد يضعف سلطان الخلفاء ولم يكد الخلفاء ينصرفون الي تدبير البلاد المفتوحة حتي انتهز اهل البادية هذه الفرصة، فاستأنفوا ما كانوا فيه ايام الجاهلية من غزوواغاره وحرب وخصومة، بل لم يدع اهل البادية فرصة تمكنهم من الفرار من اداء الصدقات والضرائب الا انتهزوها واستفادوا منها.

لم تتغير اذن حياتهم المادية في جملتها، بل ظلوا يلقون من الضيق ويقاسون من الشظف مثلما كانوا يلقون ويقاسون في العصر الجاهلي. اما حياتهم العقلية والمعنوية بنوع خاص فقد تغيرت تغيرا شديدا. وحسبك ان تقارن حياة بدوية متأثرة بهذه الطائفة من الآراء التي كان يتأثر بها الجاهليون، بحياة بدوية اخري متأثرة بالقران الكريم وما فيه من دين وخلق وادب وحكمة ونظام، لتشعر بالفرق بين نفسيه البدوي المسلم في الاول عهد الناس بالاسلام ونفسيه البدوي الجاهلي. كان هذا الفرق عظيما وكان التوازن مختلا بين الحياة العقلية والحياة المادية، تغيرت الاولي تغيرا تاما، ولم تتغير الاخري اولم نيلها من التغير الا شي قليل.

ومن هنا نشأ في نفوس هؤلاء الناس شيء من اليأس (لسبب تغيير مقرالدولة من الحجاز الي العراق) في الحياة المادية، تبعه شيء من الأمل في حياة اخري ليس واضحا في هذه النفوس الساذجة وضوحه في نفوس اهل الحضر ومن هذا اليأس والأمل تكون لهؤلاء البدومزاج خاص لاهوبالبدوي الغليظ ولا هوبالحضري الرقيق، وانما هوشيء بين بين

ويعزوكثير من الباحثين ظهور العفة في شعر الغزل الي اخذ الناس باسباب الدين وباسباب الحياة الخلقية والاجتماعية التي كانت تسود اوساط الناس في البوادى، وربما كان شيء من ذلك صحيحا، وربما كان ايضا كثير ام قليل من ذلك صحيحا، غير اننا نؤكد قطعا خضوع الادب شروط الحياة التي تتوافر له في هذه البيئة وذلك المناخ، كما تتوافر له شروط اخري في خارجها، والغزل الذي نما شروط الحياة في البوادي، انتج لنا نموذجين اثنين من الشعر:

1- غزل عفيف طاهر، طغت عليه نزعة الحب الوجداني.

2- غزل نقي باهر، طغت عليه نزعة الحب الوصفي.

وعميد النوع الاول من الغزل العفيف، هوجميل بثينة، الذي اقام له مجسما في ركن الروح اما عميد النوع الثاني من الغزل النقي، فهوذوالرمة، الذي كان يقيم له من شعره مجسما، اتخذ عناصره من اشياء البادية.

وبمقتضي هذه النظرية الاشتراطية التي تطابق بين الحياة والشعر، فان الغزل البدوي كان يشكل اعلي تجليات المطابقة بين الشعر والطهرية الدينية الاخلاقية في المجتمع البدوي

زمن نشاته:

في يقيني ان الغزل العذري لم ينشاء في العصر الجاهلي. لأن شعراء هذا العصر وان كان قد اثر عن بعضهم انهم تغزلوا في امرأة بعينها، ولكن غزلهم لم يكن فنا قائما بذاته، ولم يكن معروفا في ذلك الوقت ان شاعرا كان شعره قاصرا علي الغزل، وعلي الغزل بأمرأة يحبها وتحبه، فاودع شعره كل ما قاله فيها.

ولم ينشأ في العصر الاسلامي: لأنه كانت احداث اخري: احداث الدين الجديد، ونشره، وفتح الفتوحات، ودفع راية الاسلام، ومن شأن هذا ان يغلب الناس علي كل شيء

ولم يكن من الممكن ان يظهر في عصر الخلفاء الراشدين بالرغم من ان تمثل التقي والصلاح كان في عصر الراشدين اشد وضوحا منه في عصر الامويين، وبالرغم من ان الانعتاق من بعض الحدود والتحلل من بعض النواحي والتحرر من بعض الشدد وجد مجالا في العصر الاموي باكثر مما كان في عصر الراشدين

في العصر الاموي حيث استتب الملك واصبح الناس في ظله الوارف، وفي ضروب من الدعه، والراحه، والطمأنينة والرخاء، واصبح فريق منهم يسكنون بادية الحجاز لم يكن لهم حظ من هذا الترف، بل كان بؤس وحرمان جرهم الي حال من اليأس، والي حال من الزهد والي حال من صفاء الروح، يتجرد عن المادة الي حياة خالصة طاهرة. جعلتهم يجنحون الي الطموح والمثل العليا، وحداهم هذا الطموح الي ان يكون لهم تفكير جديد في الادب.

وكأنهم ثاروا بهذا علي الاوضاع العابثة، التي كانت في مدن الحجاز، ونشأ عنها الغزل الماجن

ويقول الدكتور ياسين الايوبي حول هذا الموضوع"وهوردة فعل في وجه الحب الصريح، ظهر على مسرح الحياة العربية، في اواسط العصر الاموي لدى جماعة عاشت في بيئة حجازية ضيقة، لا تعرف الا الصحاري والفراغ والضجر. ولم يعرف اول متغزل بهذا النوع بالضبط، وانما عرف من احبوا بطريقته". وانه يواصل حديثه وثم يقول:قلت انه ردة فعل في وجه الحب الاباحي، وقد لا يكون ذلك مؤكجا. وقد يكون وجها آخر من الحياة العاطفية العربية حبث نجد انسانا يحب بطريقة ما، وآخر يحب بطريقة اخرى. . . مع ان هؤلاء الشعراءالمحبين لا بد من التفاتة قصيرة:وهي انهم عاشوفي شقوة قاسية مردها البؤس واليأس في كثير من اوقات حياتهم، ولا سيما ان التقاليد كانت صارمة على ابناء العشق؛ فويل للرجل ان احب وويل ان يعلن حبه. وويل له ان كتم هذا الحب وويل اكثر ان اشاعه. كيف يمكنه كتمان ما هوفي جوهر حياته ولا يستطيع ان ينشر همسة واحدة حوله؟

الحل في القبول بالامر الواقع، اي:لا بد من اذاعة الخبر وال دفن هووحبه احتراقا. فليحترق مع الاعلان ومع الايصال افضل من ان يحترق مع الصمت. وهكذا كان؛بمجرد ان يشبب الرجل منهم بواحدة تحرم عليه، والحرمان هنا مرده التقليد الصارم، لا غير. . .

والأمرمع ذلك يبدوبسيطا. . . فهذا الغزل العذري يجب ان يكون اثرا لتربية جيل جديد تربية صادقة صارمة. . . هذا من نحو. . . يجب ان يكون اثرا لنوع من الحياة الاجتماعية تعرف الاستقرار وتساعد عليه من نحوآخر. . . وكلا هذين الامرين لم يتوافر، معا الا في عصر بني امية. . . صحيح ان الرسول ربي جيلا من الصحابة ولكن هذا الجيل كان مشغولا عن نفسه بواجبه. اما في العصر الاموي فقد آن لهذه البنتة، لهذا الغزل العذري وان تنفتح وان تزدهر، وان تتشقق ازهارها عن الثمرات الطيبة من تاريخ الادب العربى.

لذلك لن تستغرب ولادة هذا الغزل في العصر الاموي، ولن نقول في انفسنا ما بال هذا اللون من الفن لم تتنفس به الجزيرة في عصر الخلفاء. . . [ففي] العصر الاموي كانت اكتملت نشأة هذا الجيل الذي مازجت التربية الاسلامية اعماقه، وخالطت دماءه وظلت طريقه. . . وفي هذا العصر ايضا همدت ريح الفتوح وانقلبت هذه الفتوح من عمل جماعي يتدفق من كل ارض الجزيرة ويتجمع في هذه التيارات الي عمل حكومي تنطمه الدولة وتشرف عليه وتأخذ نفسها باعداده والاختيار له، وتركز له وقته وتدعواليه وتلزم الناس الحرب مرة والاستقرار مرة. . . ففي هذا العصر اذن آن لنا ان نستمع الي انغام هذا الغزل الي دقات اوتاره الاولي . . . اما قبل ذلك فقد كان المجتمع الاسلامي يخضع لهذه الظروف القاسية التي لا تتيح له ان يصرف قواه العاطفية جميعا في غير حركة التوسع هذه التي كانت ابتلاء لهذا المجتمع الناشيء واختبارا لقواه. ومن كل هذا نستطيع ان نقول ان ولادة الغزل العذري لم تكن حادثة ذات تاريخ محدد. . . انها شيء اصطلحت عليه بعض الظواهر العاطفية والدينية والاجتماعية ثم صاغته هذه الصياغة الفنية الخاصة. . . وقد وجد هذا الغزل نموه في العصر الاموي

ولكن الدكتور الحوفي يؤكد انه نشأ في العصر الجاهلي واورد على ذلك شواهد في قصائد مستقلة للحب الخالص لا شي فيها سوى الغزل منها لقيس بن الحدادية قصيدة غزلية في اربعة واربعين بيتا واخرى لحسان في سبعة عشر بيتا وهذه القصائد اثر الغزل المادي فيها ضئيل، فنحن نرى للنابغة الذبياني قصيدة من هذا النوع يتغزل بحبيبتهنعم، ويتشوق الى عهدهما الماضي يوم كانا معا يتناجيان والؤمان غافل عنهما فيتبادلان الاسرار المكتومة والحب الصافي وينتقل الىالمرحلة التالية حيث هجرته نعم فاذا هويجعوقلبه بملاقاته. . .

صفات الحب العذري:

اول ما يتميز به هذا الحب، الوحدانية، اي الاقتصار علي نشدان امرأة واحدة من بين سائر النساء، وهكذا اتحدت اسماء العذربين باسماء صويحباتهم فقيل: جميل بثينة، وكثير عزة، ومجنون ليلي، وفقيس لبني وهكذا.

ومادام هؤلاء يحبون امرأة واحدة فهم يحبونها لذاتها لا للجمال الذي تتمتع به ولا يجدون عوضا عن هذا الحب فالحب ها هنا عاطفي وفي. تغلغل مفاعليه في ثنايا النفس، ولا تزيده الايام الا رسوخا، وتمنحه محاربة البيئة البدوية له منعه، فيكتب له الاستمرار والثبات وفديقضي هؤلاء العذريون من فرط الصبابة، ولسانهم لايزال يردد اسم الفتاة، اوالمرأة التي علق قلب الواحد منهم بها.

وهاتان الصفتان البارزتان عند العذريين، الوحدانية في الحب وحب المرأة لذاتها تفسران لنا الصفة الثالثة فيه، وهوانه حب عنيف يستحوذ علي تفكير المحب، ويأسر عقله واعماقه بحيث تهيم روحه في ديار الحبيبة، وتطوف بمضربها، وتقدس التربة التي تطأها
في الحب العذري يعيش فيه العقل في اسار القلب، انه حس لايخالطه برد التعقل ولا تظله سحب الفكر. . . وانما يمضى بصاحبه في كل حيز خشن صلب، ويقذف به فوق الرمال المشوبة يشتوي بها ,يوقد النار ويحيرق بها. . . انه حب يمتاز بالحرارة المتلهبة

وهوكذلك، حب زاهد اويأس، والزهد نومان: اولهما بمعني الاعراض التام عن الحب، وثانيهما هذا الناشيء عن الأسي الدائم، والقنوط وخيبة الأمل وزهد العذريين من هذا النوع الثاني، فهم يحبون كغيرهم من الناس اذا احبوا، ويتوقون الي مسرات الحب، وسعادة اللقاء، وطمأنينة الوصال، ولكن مواكب حبهم تتيه في بطاح الصحراء، حين تهب عليها رياح التقاليد البدوية، فينصرفون عن التغني بالجمال المادي، الي هذه الشكوي المريرة التي تجتاح افئدتهم، واذا هم يزهدون بالجمال الذي يري ويحس، ليجدوا العزاء في الوفاء للعهد. فالحب العذري حب ظامئئ عفيف يشكومن ألم الحرمان من غير تصريح ظاهر اواباحية مسرفة، ولا ننسي ما للأخلاق البدوية المتأثرة بالعاطفة الاسلامية من يد طولي في توجيه هذا الحب الوحهه المشار اليها

لغة الغزل العذري:

لغة هذا الغزل "هنا لغة جزلة فيها من خشونة البداوة وجفاف التقاليد، ما يجعلها اقرب الى العصر الجاهلي منه الى العصر الاموي.

الطوابع العامة للغزل العذري:

يتصف شعر العذريين بوضوح الحب والحرقة والألم والاخلاص وصدق العواطف ونبلها، فالحب العذري لايخرج عن ان يكون صراعا بين الجسد والروح يتحول في نفس العاشق – لاسباب شخصية اواجتماعية اوا قتصادية- الي رغبة مكبوتة، وهي رغبات كان العشاق العذريون يتسامون بها فوق مستوي الغرائز ويرتفعون بها فوق مستوي الشهوات ويستعلون بها فوق رغبات الجسد.

ويري الدكتور شكري فيصل: فان الغزل العذري ينطبع بهذه الطوابع العامة:

1. بساطة معاني الحب الذي ينفصل به وينهب عواطفه. 2. الصدق النفسي، حيث يصدر الحب عن صاحبه تدفق الماء من الينبوع بالاضافة الي الصدق الفني، حيث يعبر الشاعر عن حبه دون زيف. 3. وحدة الغرض والاتجاه، بحيث ينشغل المحب بمحبوبته ولايتجاوزه بل يستغرق فيه. 4. الاسلوب المباشر, حيث يتجه الشاعر الي الحب وحده دون التواء. 5. العفة في الاسلوب وطهر القول، وعدم التطرق الي المغريات الجنسية. 6. تصوير حالة اليأس التي يعيشها الشاعر بسبب شد أسر المحبوبة له. 7. الصفاء والاشراق، حيث يتطابق عمق الحب مع قوة اللغة الشعرية وجزالتها

اصحابه:

ان جميل بن معمر العذري، كان زعيم الغزل العذري، ونسطيع ان نذكر من الشعراء العذريين:

1. قيس بن الملوح. ويدعي بمجنون ليلي، نسبه الي ليلي التي اشتهر بحبه لها. ولم يعرف انه تغزل في غيرها. ونموذج من شعره.

اعد الليالي ليلة بعد ليلة
وقد عشت دهرا لا اعداللياليا

اراني اذ اصليت يمت نحوها
بوجهي وان كان المصلي ورايئا. . .
2. قيس بن ذريح، وصاحبه لبني، التي احبها، واخلص لها في الحب واصابه في سبيل حبها عذاب وسقم وهلاك، ويقول فيها:

يقر بعيني قربها ويزيدني
بها كلفا من كان عندي يعيبها

وكم قائل قد قال تب فعصيته
وتلك لعمري توبة لااتوبها

فيا نفس صبرا لست والله فاعلمي
بأول نفس غاب منها حبيبها
3. عروه بن حزام العذري، احب عفراء بنت عمه ويكاد يكون شعره حقولا فيها وحدها، ومن شعره:

ما بي من خبل ولا بي جنة
ولكن عمي يا اخيَّ كذوب

اقول لعراف اليمامه:داوني
فانك ان داويتنى بطبيب و. . .
ونسطيع ان نذكر: توبة بن الحمير، احب ليلي الأخيلية ومات وسبيل حبها وايضا كثير بن عبدالرحمن، يعرف بكثير عزة، نسبه الي عشيقته عزة، ويزيدبن الطئرية، احب امرأة من جرم يقال لها وحشيه
وكانت لكل منهم قصة حب لاتختلف في اطارها العام عن قصص العشاق الجاهليين، وكانت خيوطها تنسج اما بالمرعي اوفي اثنا المرور بديار الأحبة، ولكنها عند ما كانت تصل الي العقدة تتشعب بها السبل، فاما ان يتزوج المحب من محبوبته، واما ان يتعذر عليه ذلك فيهيم في هذه الحال علي وجهه الي ان يلقي مصيره المحتوم. وحتي الذين تزوجوا لم تدم لهم السعادة الزوجية اذ سرعان ما انفصلت عراها لضغوط عائلية تاركة الحب في القلوب يؤججها وكان خيال الرواة يأبي الايجمع بين المحبين- في بعض الأحيان- من جديد بأساليب ووسائل ظاهرة التكلف والغرابة لما فيها من خروج علي ابسط قواعد العرف والتقاليد العربية75.

واذا كان لنا ان ننصب رائد الكل من فني الغزل مادية وعذرية فان عمربن ابي ربيعة رائد للاول (للاباحي) وجميل بن معمر رائد للثاني، واذا كان لابد من تنصيب زعيم لشعر الغزل بنوعيه فلانجد مناصا من الاعتراف لعمر بن ابي ربيعة بهذه الزعامة

رأينا في الحب العذري:

هل صحيح انه كان مظهرا من مظاهر الحياة العربية القديمة، اوانه منحول عليها، داخل في الاخبار الاسطورية؟

لقد بقي هذا الموضوع نائما في ضمير الادب العربي حتى الفترة الاخيرة-لسنوات خلت-حينما اقدم الاديب السوري د صادق جلال العظم على اصداركتابه (في الحب العذري)اوبالاحرى في محاضرته عن هذا الحب، نفى فيها ان يكون هناك شئ اسمه حب عذري، كما نفى ان يكون ان يكون هؤلاء شعراء صادقين في تعبيرهم وشعرهم، الذي اشتمل-كما يقول-على موصوفات جسدية صريحة لا تنسجم مع المقومات التي تعارف عليها النقاد والشعراء بصدد هذا الحب. . . .

وجوابنا على مقولة الدكتور العظم هوان شككنا في الحب العضري اورفضنا له، يؤديان الى نكران قسم كبير من الشعر العربي القديم. فاذا جازنا الشك، فانما يجوز على اساس البحث عن الجذور، اوالبحث عن مسوغات هذا الحب، ومقوماته الحقيقية والدواعي الثابتة لمظاهره ومشاعراصحابه، لا غير.

وفي الختام ارى من الضروري ان اذكر ان هناك الى جانب هذين النوعين من الغزل كان نوعا آخر يسمى الغزل الكيدي اوالهجائي. وهذا النوع من الغزل كان يتخذ الغزل والنساء وسيلة للاهداف والاغراض السياسية يستمد منه الشعراءكآلة للنيل من اعراض خصومهم. وفي شأن زمن نشأة هذا الجنس يختلف العلماء، ويتبع عبد المنعم خفاجي جذوره في الجاهلية ويأتي بالشعراء الذين يمكن لنا ان نجد لهم اشعار قد انشدوا في هذا الجنس مثلا يقول"وقد لج بين قيس بن الحظيم وعبد الله بن رواحة فتغزل الاول بعمرة اخت عبد الله ولكن غزله كان عفيفا. وبين حسان وقيس بن الحظيم حدث شئ، من هذا فان حسانا في معرض فخره على الاول تغزل بليلى اخت قيس.

ولهذا النوع من الغزل خطره الشديد على نفوس الحجازيين ويرون فيه الاهانة بالغة قد يحتاجون في غسلها الى الدم، فان كعب بن الاشراف اتخذ من الغزل الكيدي وسيلة الى تجريح المسلمين والتندير عليهم
اما الدكتور طه الحسين يرى انه وليد العصر الاموي في بيئة الحجاز ويعد عبيد الله الرقيات والعرجي من اصحاب هذا الجن الادبي ويقولفي هذا المجال:

وهنا الاحظ شيئا يكاد يختص به عبيد الله بن قيس الرقيات:وهوانه صاحب لهووسياسة، وانه اتخذ الغزل الى اللهووالسياسة . فكان يتغزل حينا ليلهواوليصف عواطف نفسه حقا، وكان يتغزل حينا آخر لا للهوولا لوصف حب صادق، بل ليبعث بخصومه السياسين، اذ يذكر نساءهم بما يحسن وبما لايحسن.

والعرجي يتغزل بجيداء ام محمد بن هشام، وبجيرة زوج محمد بن هشام هذا. وكذلك فعل عبيد الله بن قيس الرقيات قبل العرجي، فسن له واغيره هذه السنة. وبلغ من هذا الغزل الهجائي مالم يبلغه احد من شعراء العصر الاموي. فلم يكتفي بالنسيب المألوف يذكر فيه المأة التي يريد ان يهجواهلها كما كان يفعل العرجي، وانما كان يتخيل القصص والاخبار فيقصها في شعره مسرفا في تفصيلها اسرافا شديدا

وهذا موضوع خصب يحتاج الى دراسة شاملة ومنهجية.

لخاتمة أوالنتيجة:

ان الغزل ازدهر في العصر الاموي ازدهارا بحيث قد عرف الحجاز عرف بهذا الجنس آنذاك وهذا الامر ساق الباحثين بان يروا:ان الغزل وليد العصر الاموي فحسب دون ان يرتبط بالعصور الماضية. ولكن لايمكن الاطمئنان بهذا القول ولا يمكن دراسة الغزل دراسة شاملة دون النظر الى ماضي الشعر العربي. لأننا في دراسة الاجناس الادبية عند الامم المختلفة نرى ان الاجناس الادبية قبل ان ظهر في اطارها الناضج كانت موجودة عند الشعوب والامم بصورة الشعبية اوالعامية اوالبدائية المتناسقة مع احوال الشعوب وطبيعتهم واوضاع حياتهم ونحن لا نستطيع ان نستثنى الامة العربية اوالادب العربي عن هذه القاعدة الكلية. ومن هذا نستطيع ان نستنتج:ان الغزل كان موجودا في العصر الجاهلي وكان معروفا لدى الشعراء الجاهليين ولكن انه كان مقصورا في مستهل القصائد وفي اثناء الاغراض الشعرية الاخرى وفي الواقع انهم يأتون بالغزل ويعبرون ان عواطفهم في الحب دون ان ينفردوا القصيدة له اوحياتهم الشعرية له.

ولكن في العصر الاموي وفي بيئة الحجاز نجد الشعراء انهم قد قصروا شعرهم وحياتهم في الغزل فحسب ولا يتعاطون الاغراض والفنون الشعرية الاخرى بحيث قد نضج هذا الجنس الشعري عندهم وانطبع بطابع حياتهم اليومية واكتسب الخصائص الجديدة لم تكن الموجودة في غزل الشعراء الجاهليين وانهم افردوا قصائد في الغزل وعرفوا بهذا الفن الشعري. وطبيعي انهم قد استمدوا مادة شعرهم الاولىعن الجاهلين وعن اجدادهم ولكن زادوا فيها خصائص الجديدة منطبقة مع حياتهم الجديدة المترفة المغنية اوالغنائية والعناصر الاجنبية الموجودة في بلادهم وقللوا عن ابياتها وخففوا عن اوزانها، وبما ان هذه الخصائص الجديدة لم تكن موفورة في غزل الجاهليين المقصور في مستهل القصائد لذا قيل انه قد ولد في هذا العصر وفي هذه البيئة وهذا قول ورأى يمكن الاستناد عليه.

ولكن هناك امر آخر يلفت النظر وهوانقسام هذا الجنس الشعري الى الغزل العمري والبدوي. وان النوع الاول قد سبق النوع الثاني وعلى هذا الامر قد ساق كثير من الباحثين الى الاعتقاد بان الثاني منه يعد بمثابة ردة فعل للاول ولكن برأئي لا يمكن الاستناد بهذا القول. بل يمكننا ان نقول ان كل واحد منهما بمثابة ردة فعل لاوضاع حياتهم واحوال معيشتهم. لان كل واحد من شعراء الغزل الاباحي والحضري كان مشغولا عن الاخرى بنفسه والتاريخ لم يذكر لنا عن علاقة كل واحد من هذين بالآخر لكي ينضجر اصحاب الغزل العفيف عن اباحية ومجون الحضرين وعزم على ردةالفعل.
avatar
هيا ترمانيني

المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 07/03/2010
العمر : 23

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أنواع الغزل عبر العصور الجزء الثاني

مُساهمة  أميمة نجّوم في الأربعاء أبريل 14, 2010 9:00 am

ألف شكر

أميمة نجّوم

المساهمات : 29
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
الموقع : www.omymanajjom.ba7r.org

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.omymanajjom.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى