أنقذوا لفة الضاد من آفة الأغلاط

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أنقذوا لفة الضاد من آفة الأغلاط

مُساهمة  راما بعاج في الخميس أبريل 08, 2010 1:15 pm

" أرى كل يومٍ بالجرائد مزلقا
من القبر يدنيني بغير أناةِ
إلى معشر الكتاب والجمع حافلٌ
بسطت رجائي بعد بسط شكاتي"

الدافع لهذا المقال , ما نقرأه من لافتات وكتابات ذات أغلاط إملائية ونحوية شديدة جاوزت المقدار, خصوصا على صفحات الانترنيت , فنرى عناوين كبيرة على صدر تلك الصفحات معبأة بالأغلاط اللغوية , ولا من أحد يصرخ بوجه هذا الانحدار اللغوي المروع. وقد ظهرت في مقدمة إحدى الصفحات المرموقة صور لأشخاص يحملون لافتات كتب عليها (...إنقذ أبنائنا....) والصواب (أنقذ أبناءَنا) و (...بالتدخل بالإفراج عن أبنائنا) والصواب ( ...بالتدخل للإفراج عن أبنائنا). أو كما ورد في اللافتات التي رفعت في البرلمان (لا...لا..اتفاقية) والصحيح إذا كان المقصود حقا الاتفاقية هو (لا...لا للاتفاقية).
ولو تتبعنا الأغلاط الإملائية في صحفنا ومنشوراتنا لتملكنا العجب وأخذتنا الدهشة من كثرتها , وهذه الظاهرة تشيع في بلدنا الذي كان من أكثر الدول غيرة على العربية واحتراما لها واعتزازا بها. وكانت صحفه محكمة ومتقنة في تعبيراتها ومن النادر أن تجد غلطا نحويا فيها. أما اليوم فأنك تعجز عن إحصاء الأخطاء اللغوية في مقالة واحدة. فتتساءل , هل أن الذين يكتبون مقالات محشوة بالأخطاء هم حقا من العرب , أم أنهم حالة أخرى لا نعرفها أو لا يريدوننا أن نعرفها , فالكلام المكتوب يكشف عن صاحبه ويبين هويته الثقافية وقدرته الكتابية.

إن أية صحيفة في العالم لا يمكنها أن تسمح بنشر سطر واحد فيه خطأ لغوي , بل أن جميع ما ينشر في صحف الأرض يجب أن يكون في غاية الدقة النحوية والإملائية , وإن حصل خطأ فلابد من تصحيحه والاعتذار عنه, لأنه يعد إهانة للقارئ وللغة التي يتكلمها ولا يسمح بهذا في عالم يحترم الإنسان ويعز حقوقه. ويبدو أن قيمة الإنسان كلما تدهورت انعكس ذلك على اللغة التي يعبر فيها عن معاناته وقسوة أيامه , فتكثر الأخطاء في اللغة عندما يكون الإنسان يعاني اجتماعيا وفكريا وسياسيا , لأنه يفقد الوقت اللازم لبناء نفسه وتقرير ثقافته الوطنية . ولا أظن من المفيد للصحف كافة أن لا تعير أهمية كبيرة للسلامة اللغوية في الكتابات التي تصلها , ومن الضروري أن تكون صارمة لغويا فيما تنشره.
إن الأخطاء اللغوية تعني عدم التفكير بطريقة سليمة وأن آليات التفكير منحرفة , فعندما لا نفكر بانتظام وسلاسة ومنطق , فهذا يعني أن قدرتنا على التعبير النحوي ضعيفة وأفكارنا أضعف , لأن الأفكار القوية بحاجة إلى نحوية عالية تستوعبها , وعندما نفقد هذه القدرة فأننا نفقد قابلية التفكير وقوته ونبدو ضعفاء في كل شيء. فاللغة أداة تفكير , فإذا كانت ضعيفة فأن التفكير ضعيف, وهزال اللغة يعني هزال الفكر والمعرفة وما يعترينا من تدهور في النحو والإملاء يشير إلى تأخرنا الفكري والثقافي.

قبل أيام تحاور معي أحد الأخوة عبر الانترنيت فقال : أتدري , إن من أكثر الدروس التي كنت أكرهها هو درس العربية وقواعدها!
فقلت: لماذا
قال: إنهم يجعلونه كذلك.
وأنا أتفق مع الأخ لأن أساليب تدريس اللغة العربية لا تتواكب مع العصر الذي نحن فيه , فتدريس اللغة الإنكليزية يختلف عن تدريس اللغة العربية , التي لم نتحرر من أصول تدريسها البدائية , ولم نتفاعل مع ما تطور واستجد في تدريس وتعليم اللغات الأرضية.
بينما اللغة الإنكليزية لها أساليبها المتواكبة مع التطورات الثقافية والتكنولوجية , فترى الطفل في المدارس الغربية قد تعلم عددا كبيرا من المفردات وهو لا زال في الروضة , ويدخل الابتدائية وقد أخذ يتعلم جذور الكلمات واشتقاقاتها وقواعد بناء الجملة ونطقها , والتفاعل مع الآخرين باستخدام تعابير مضبوطة نحويا. ويتم التركيز على الإملاء الصحيح وأهميته واعتباره قيمة اجتماعية وكذلك النطق السليم والقواعد الصحيحة, فيكون من العيب إن لم تعرف كيف تنطق أصوات لغتك وتبني العبارات الصحيحة فيها , لأنها مادة تفكيرك ووسيلة اتصالك بالآخرين من حولك.
فاللغة تعبير حضاري وتفاعل إنساني يظهر قيمة أصحابها ودورهم في الحياة , فإن لم يحترموا لغتهم فهذا يعني أن هناك خلل كبير في تفاعلاتهم وقوتهم وإمكانية صيرورتهم وتحقيق غاياتهم. والأمم الحية لا تستهين بلغتها ولا تتساهل في الأخطاء النحوية والإملائية لأن ذلك يعد وصمة ضعف وتدني في مستواها الثقافي والمعرفي, وكثرة الأخطاء التي نجدها في كتاباتنا تعكس حالة التردي اللغوي التي أخذت تخيم على واقعنا الاجتماعي , وترسم مسيرة تدحرج مريرة وضياع للقيم والهوية. فإذا كانت لا فتاتنا محشوة بالأخطاء اللغوية فهذا يعكس واقعا لغويا مأساويا ويشير إلى ضرورة اليقظة والتحفز اللغوي , والغيرة اللغوية للحفاظ على جمال العربية وروعة إملائها ونحوها. ويضع على عاتق محرري الصحف بأنواعها مسؤولية حماية اللغة وضرورة التقيد بنشر الكتابات المستوفية لشروط اللغة السليمة والإملاء الصحيح. ومن الضروري أن يهتموا بالسلامة اللغوية ويضعوا شروطا صارمة ويعيدون المقال أو لا ينشرونه إذا وجدت فيه أخطاء لغوية وأن يعطوا الكاتب سببا وجيها لعدم النشر , وإلا فأن هذا التردي في النحو والإملاء سيسود ويتفاقم فتضيع لغة الضاد في ظلمات التدهور المشؤوم الذي أخذ يطغى على ما نكتبه. فلا بد من غيارى على اللغة العربية , يهبون بوجه الأخطاء ويصححونها ويثقفون الناس ويعيونهم إلى سواء الكتابة والتعبير اللغوي السليم.
وفي الختام , قد تطول الكتابة في هذا الموضوع وتتشعب , لكن خلاصة الكلام أن نعير اهتماما جادا للنحو والإملاء , وأن لا نعزز الأغلاط اللغوية وندين وننتقد مَن يكتب بلغة خارجة عن أصول النحو , لكي نحافظ على لغتنا لأنها هويتنا ووسيلتنا للتعبير الأفضل عن أنفسنا.
"أرى لرجال الغرب عِزا ومَنعةً وكم عز أقوامٌ بعز لغاتِ"

راما بعاج

المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/03/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى